للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بابه على كل ميت وحي، الذي دخله أرباب كل علم فيهم، وأطلعه أهل كل فهم قمرًا في دياجيهم، الحكيم المطلق، والعميم المعرفة في اللغة بكل ما به ينطق، الناقل لما يصدق، والناقد لما يحقق والمملي لكل ما يعلق، والمولى من متن البيان ما لا يخلق، كأنما تصنيفه للأفهام مفاتيح أقفال، وفي دجى الأوهام مصابيح تشب لقفال، وله في «البيان والتبيين» أوضح من النهار؛ إذ يبين. عجل إلى الفضائل فما راث، وسبق الأوائل بلا اكتراث. مر على المجرة، فورد شطوطها، وكر على النيرة، فمحا خطوطها، وهجم على الفضائل، وأتاها متثبتًا، وأخذها مصبحًا ومبيتًا، فملأ جوانح الغمام أوارًا، وصاغ البدر التمام تاجًا، والهلال سوارًا، بتنوع حطم به الجوزاء، فكسر عريشها، وصاد طيور الفراقد، ووزع ريشها، هذا إلى توسع في كل فن، وتحقيق لكل ظن، بخاطر طالما قرع الفولاذ، وتهادى تهادي العروس في اللاذ، وكان لا يزال ليله مبصرًا، وسيله لا ينثني مقصدًا، ولم يبق علم لم ينظر فيه نظر المتبصر، ويجتهد له اجتهاد من لم يقصر، إلا كان به أدرى، ولم تبق طائفة أحق به من الأخرى.

وقال فيه القاضي الفاضل وقد ذكره: وما منا إلا من دخل داره، وشن على كلامه الغارة، وخرج وعلى كتفه منه الكارة.

قلت: أخذ عن أبي عبيدة، والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش وكان صديقه، وأخذ الكلام عن النظام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاهًا بالمربد.

حدث أبو هفان، قال: لم أر قط، ولا سمعت أحب إلى الجاحظ من الكتب والعلوم؛ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان حتى أنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها، والفتح بن خاقان كان يحضر لمجالسة المتوكل فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابًا من خفه أو كمه، وقرأه إلى حين عوده من الخلاء.

وكان الجاحظ من أصحاب النظام وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا، وله كتب كثيرة مشهورة، جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذاهب المخالفين، والأخلاق، والآداب، وفي ضروب الجد والهزل، وقد قرأها الناس وتداولوها، وعرفوا فضلها، وإذا تدبر العاقل المميز كتبه، علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان ومعرفة أصول الكلام وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها، والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة، وغير المعتزلة.

قال الجاحظ: لما مسخ الله الإنسان قردًا وخنزيرًا ترك فيه شبهًا من الإنسان،

<<  <  ج: ص:  >  >>