للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وريحٌ زعزعٌ ينسف ما جاء أمامه، وجبل لا يأمن من استذرى به أن يقع عليه، وأرقم لا يطمئن راقيه أن يثب إليه. شجاع أعد للحرب، وحسام لا يفل له غرب، ومثقف ما ألف إلا الطعن والضرب. أكل العلماء بلسانه، وأذهب سوء الصنيع بإحسانه، ووطئ الرجال بقدمه، وفل النصال بقلمه، ونكس بعلمه الأعلام، وقطع حيازيم الملوك بالكلام، وكان أمة وحده والسلام.

ولد في الجانب الشرقي من قرطبة من بلاد الأندلس، سلخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلثمائة، وأصله من فارس، وجده خلف أول من دخل الأندلس من آبائه، وجده يزيد أول من أسلم من أجداده.

وذكره ابن بسام (١) بكلام ملخصه: إنه تمذهب للشافعي ثم رأى رأي داود بن علي الظاهري، وأبغضه علماء زمانه، وسعوا حتى طرد إلى بادية لبلة، وهو لا يبالي، بل يصنف ويؤلف، ويُشغل ويدارس، وصنف وسق بعير لم يعد أكثرها عتبة باديته، لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها، حتى أحرق بعضها باشبيلية، ومزقت علانية، وهو لا يزداد إلا بصيرة في نشرها، وجدالًا للمعاند فيها إلى أن مضى لسبيله.

ثم قال: وعلى ذلك كله فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد علمه عند لقائه، إلى أن تحرك منه بالسؤال بحر علم لا تكدره الدلاء، ولا تقصر عنه الرشاء. قال: ووصفه ابن حيان، ولعمري ما عقه، ولا بخسه حقه.

وقال ابنه أبو رافع بن علي بن حزم: اجتمع عندي بخط أبي من تأليفه نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة.

وقال ابن بشكوال (٢): كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة بعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة، والشعر، والسير، والأخبار.

وقال أبو عبد الله بن فتوح: ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة.


= ١٤٧، ومعجم المؤلفين ٧/ ١٦ - ١٧، وانظر مقدمة كتابه: جمهرة أنساب العرب بتحقيق المرحوم عبد السلام محمد هارون، تاريخ الإسلام (السنوات ٤٤١ - ٤٦٠ هـ) ص ٤٠٣ - ٤١٧ رقم ١٦٨. جمع شعره وحققه عبد العزيز إبراهيم ونشره في مجلة المورد البغدادية بعدديها ٢ و ٤ مج ٢٦ سنة ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨.
(١) الذخيرة ١/ ١/ ١٦٧ - ١٧٥.
(٢) الصلة لابن بشكوال ٢/ ٤١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>