للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وشبهوه بالحركات والغزوات بالمعتصم، وشبهوه في الجود بالرشيد، وشبهوا ابنه المستنصر في العدل، والزهادة، ورد المظالم، وتغيير المنكر بالمهدي، وشبهوه في حب العلوم واقتناء كتبها بالمأمون.

وشبهوا المستعين في التجرد ولطلب ما خاصمه فيه الزمان من الخلافة ومآل أمره إلى القتل بسميّة المستعين، وشبهوه في الشعر بالرشيد، وأنشد صاحب الذخيرة (١) قول المستعين: [من الكامل]

عَجَبًا يَهَابُ اللَّيْثُ حَدَّ سِنَاني … وأَهَابُ سِخْرٍ فَوَاتِرَ الأَجْفَانِ

وَأُقَابِلُ الأَهْوَالَ لَا مُتَهَيِّبًا … مِنْهَا سِوى الأَغْرَاضِ وَالهِجْرَانِ

وَتَمَلَّكَتْ نَفْسِي ثَلَاثٌ كَالدُّمَى … زُهْرُ الْوُجُوهِ نَوَاعِمُ الأَبْدَانِ

هَذِي الهِلَالُ وتِلْكَ شِبْهُ المُشْتَرِي … حُسْنًا وَهَذِي أَخَذَتْ غُصْنَ الْبَانِ

حَاكَمْتُ فِيهِنَّ السُّلُوَّ إلى الهَوَى … فَقَضَى بِسُلْطَانٍ عَلَى سُلْطَانِي

وَأَبْخَنَ مِنْ قَلْبِي الحِمَى وَتَرَكَتْنِي … في عِزّ مُلْكِي كَالأَسِيرِ العَانِي

إِنْ لَمْ أُطِعْ فِيهِنَّ سُلْطَانَ الهَوَى … كَلَفًا بِهِنَّ فَلَسْتُ مِنْ مَرْوَانِ

وقول الرشيد: [من الكامل]

مَلَكَ الثَّلَاثُ الأَنِسَاتُ عِنَاني … وحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانِ

مَالِي تُطَاوِعُني البرِيَّةُ كُلُّهَا … وَأُطِيعُهُنَّ وَهُنَّ فِي عِصْيَانِي

مَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الهَوَى … وَبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي

وفضل أبيات المستعين وزهوه لها، وأطنب في الثناء عليها.

وكان في خلفاء العبيديين من ذكرت صولته، وعظمت آثاره المنصور بن القائم عبيد الله المهدي؛ وهو مشبه عندهم بالمنصور العباسي؛ لأن كلًا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكاد يُسَلّ من خلافته، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف. وأخبارهما في ذلك مذكورة مشهورة.

والمعز بن المنصور طمحت همته إلى أن ترك إفريقية لبعض غلمانه وخدامه، وتجهز إلى مصر، بعد ما أنهض لها مولاه جوهرًا، ففتحها، وبنى له حضرة القاهرة.

وسفرته من إفريقية إلى مصر وما ظهر منه من حسن التدبير، وهبوب النصر والحزم، والاستيلاء كسفرة المأمون من خراسان إلى بغداد، وتسكينه ما اشتعل من نار الفتنة.


(١) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ١/ ٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>