العبيدية التي أولها عبيد الله المهدي الإسماعيلي من ولد الحسين - رضوان الله عليه - توارثها بنوه بعده بالمغرب، ودارت أقطاب خلافتهم بين رقادة، والمهدية، والمنصورية، والقاهرة بمصر، إلى أن أزالها السلطان الأعظم صلاح الدين - رحمة الله عليه - بخلع العاضد آخر خلفائهم.
ولم تكن خلافة أعظم منها؛ لأنه كان يخطب لهم من الديار المصرية إلى البحر المحيط جميع نصف المعمور في الطول، وخطب لهم بجزيرة صقلية، وفاضت خلافتهم من المغرب على المشرق، فخطب لهم باليمن، والحجاز، وعمان، والبحرين، والشام، والعراق، والجزيرة، وخطب لهم في بغداد في أيام فتنة البساسيري، وإخراج الخليفة القائم منها إلى جزيرة عَنَّة.
وما ردَّ الخلافة العباسية إلى بغداد مع الاعتناء الإلهي إلا الدولة السلجوقية، إلا أنهم لم يخطب لهم بجزيرة الأندلس؛ لأن أعداءهم بني أمية كانوا قد استولوا عليها وتوارثوها، وأول من اقتطعها عبد الرحمن الداخل المرواني فتوارثها بنوه، ولم يخطب لهم بالخلافة إلى أن ولي الناصر عبد الرحمن المرواني، فخطب له بالخلافة في مدة المقتدر، وتوارث بنوه هذه السمة إلى أن وقعت الفتنة فيما بينهم، فدخلت عليهم الخلافة الحمُّودية، وبنو حمود من ولد إدريس الحسنيين المتقدمي الذكر.
وعادت الدولة المروانية، ثم انقرضت، وأقطاب الخلافة بين دائرة على قرطبة، والزهراء، أو الزاهرة.
ثم ضعفت خلافة بني حمود، وبقيت في مالقة وسبتة، ثم انقطعت إلى أن نشأت خلافة بني عبد المؤمن بقيام مهديهم محمد بن تومرت؛ وهو يُنسب إلى بني إدريس الحسنيين، وقد أثبت نسبه الشريف الإدريسي صاحب كتاب «أجار»، وكتاب «الدوحة المايسة في أخبار الأدارسة»؛ ولم يُسمَّ بخليفة، ولا أمير المؤمنين، بل خطب له بالمهدي المعلوم للإمام المعصوم، وعهد بالخلافة لعبد المؤمن.
قلت: وهو - أعني عبد المؤمن - رجل قيسي كومي ليس بقرشي فلا تصح له خلافة.
ثم قال: فتوارثها بنوه، وخطب لهم من برقة إلى البحر المحيط وبجميع الأندلس؛ وإذا تعرضنا للمناظرة في الأشخاص، سلمنا جمهور الفخر أيضًا للمشرق؛ إذ الخلفاء الأربعة فيه، وغيرهم من الخلفاء المرضيين؛ إلا أنهم شبهوا الناصر المرواني في حزمه وجبره للدولة وصولته بالمعتضد، وشبهوه في طول المدة في الأمر بالناصر؛ لأنه ملك خمسين سنة ونصفًا، وشبهوه في كثرة البنيان، وعظمة ما أنفق عليه بالمتوكل،