وظهر من ابنه العزيز من حسن المداراة والتسكين للناس ما ضرب من أجله المثل بأيامه في مصر، وصار يقال: أحسن من أيام العزيز.
وكان من عجائبهم المستنصر؛ فإنه جاوز في أمر الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة في المشرق.
وكانت له من خزائن الأموال وعظم الأمر ونفوذه، واتساع الخطبة وفيضها. في أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره.
ثم انعكس عليه ذلك فاقتنصت البلاد بالمشرق والمغرب منه، واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة وافتقر وضعف أمره وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشيء: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر إلا من مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالًا إلا ما تراه علي وتحتي.
وعبيد الله المهدي أول خلفائهم يُشبه بالسفاح أول خلفاء بني العباس؛ فإنّ السفاح خرج من الحميمة بالشام طالبًا الخلافة، والسيف يقطر دمًا، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر، ويُثبت دعوته، وعبيد الله خرج من سلمية في الشام، وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قد أذكت عليه، وأبو عبد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر، وبايعه صاحب دعوته، وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته؛ وأصبح أبو سلمة مقتولًا في حضرة السفاح فيُنسب قتله إليه.
وأما أدارسة الغرب، فإنّ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃ فرّ من وقعة فخ بظاهر مكة حين كانت الهزيمة على العلويين من قبل أصحاب الهادي، وقتل سليمان بن عبد الله بن الحسن، طالبًا الخلافة، فتنكّر إدريس وصار ملاجًا في بحر جدة، وتنقل في بلاد المغرب، إلى أن ثار وأدرك الخلافة بسبقة أقصى المغرب، وتوارثها بنوه، فكان أحد رجال العالم المتغلغلين في طلب الأمر حتى أدركوه؛ وهو مشبّه بالسفاح والمهدي في افتراع الدول، والابتداء لها، إلا أنهما كان لهما داع ووَطَّدَ دولتيهما، وإدريس لم يكن له داع إلا نفسه.
وكان من عجائب الأدارسة بالمغرب جنون بن أبي العيش بن جنون بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، فقدمه جميع بني إدريس عليهم وصَحَّت له الخلافة فيهم.
وكان له خمسة وعشرون ولدًا ذكرًا، منهم: جنون بن جنون الذي أضرم المغرب نارًا.