قال صاحب الكمائم: إنَّ الله تعالى جعل المعمورَ من الأرض مقسومًا على سبعة أقاليم آخذةً من مغرب الشمس إلى مشرقها، والمغربُ والمشرقُ مشتركان فيها بالسواء؛ لأن كل إقليم منها للمشرق والمغرب فيه حظٌ، وأحكامه في المشرق من جهة الإقليمية والتأثيرات النجومية أحكامه في المغرب إلا أنَّ لمشارق الشمس في مطالعها بالمشرق في تصفية الألوان والأذهان حكم يشبه الشمس عند شروقها، ولمغاربها بالمغرب في ضدِّ ذلك حكم يشبه الشيء في غروبها.
قال ابن سعيد: وقد أقرَّ بهذا الشأن لأهل المشرق على أهل المغرب الحافظ أبو محمد بن حزم الأندلسي في رسالته حيث قال (٢): فإنَّ قرطبةَ مسقط رؤوسنا، ومعقَل تمامنا مع سرِّ من رأى في إقليمٍ واحدٍ، قلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطلعها على الجزء المعمور، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها.
وقد جعل صاحب الكمائم ذلك سببًا لتكدير أخلاق المغاربة في سائر أقاليمهم، وصيَّر ذلك متعديًا إلى مياههم.
وقال: إنَّ الإقليم الرابع وإن كان أعدل الأقاليم فإن فعله في الألوان والخلق في رأس المشرق فوق فعله في ذنب المغرب؛ فقد عاينت من يرد من الغلمان الذين يفتنون الناظر من الأتراك والخطا الذين يسكنون الإقليم الرابع عن يمين خوارزم وجهات تركستان، وعاينت جماعة ممن يصلون من إشبيلية وقرطبة إلى بغداد وإلى بلاد العجم، فكان بين الجنسين بالنظر إلى صفاء الألوان وحسن الصور بونٌ لا يخفى على الناقد.
قال ابن سعيد: نظر البيهقي من غلمان الأتراك والخطا الصور التي تُنتخب في عنفوان شبابها وبهجتها، وتُهدى إلى الملوك، وأراد أن يقيسهم مع أشياخ وكهول يصلون من إشبيلية وقرطبة بعد ما قطعوا أكثر طول الأرض، وقد شربت الأهواء المختلفة، وأعالي السني المتوالية مياه وجوههم، وسوّدت بشائر الحسن خدودهم،