للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَكَسَفَتْ شُموسهم، وخسفَتْ بدورهم، وذَوَتْ غُصونهم، وذَبُلَ وَرْدُهم، فكانوا كما قال ابن حريق البلنسي (١) في محبوبةٍ له نظر إليها وقد أخذ منها السن، وصوّرها في الدرك الأسفل من الْحُسْنِ: [من الرمل]

إِنَّ مَا قَدْ كَانَ فِي وَجْنَتِهَا … وَرَدتْهُ اليُبْسُ حَتَّى نَشِفَا

وَذَوَى العُنَّابُ مِنْ أَنْمُلِهَا … فَأَعَادَتْهُ اللَّيَالِي حَشِفَا

وأقسم بما ضمنته الخدود من وَرْدها، واشتملت عليه الثغور من وَرْدِها، وأقفلته الغصون من بدورها، واحتوت عليه الأزرار من عاج صدورها، لو نظر البيهقي إلى غلمان إشبيلية وما وشاهم الحسن به من بديع التوشية لعدل بالتفضيل إليهم، وأحال بالتقديم عليهم، وأنشد في كل واحد من سربهم ما قاله أبو القاسم بن طلحة الصقلي، وقد طلعت عليه إحدى شموسهم من أقصى مغربهم: [من البحر السريع]

أَيَّتُهَا النَّفْسُ إِلَيْهِ أَذْهَبِي … فُحُبُّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِي

مُفْضِضُ الثَّغْرِ لَهُ مِسْكَةٌ … قَدْ طُبِعَتْ فِي خَدِّهِ الْمُذْهَبِي

أَيَا سَنِي التَّوْبَةِ عَنْ حُبِّهِ … طَلَوْعَةُ شَمْسٍ مِنَ الْمَغْرِبِ

ولقد رأيت بالقاهرة غلمانًا وصلوا إليها مع رسول الإمبراطور من جزيرة صقلية - وهي في الإقليم الرابع - قضيت العجب من كمال الحسن فيهم بين اعتدال قدودهم، وهيف خصورهم، وصفاء ألوانهم المشربة بالحمرة التي تتعشقها النفس، وتسرح فيها العين، وحسن مجموع صورهم وتفاريقها؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.

وكان أهل القاهرة يتعجبون فيهم، وتهالك في الوجد بهم جماعة من الأمراء، وتوصلوا إلى إحضارهم في مجالس أنسهم، وكانوا يحسنون الكلام بالعربية، ويعلمون مواقع النوادر على عادة نصارى صقلية، وخفي عن الناس هنالك مراد الإمبراطور بتوجيههم، وإنما أرادوا أن يتكشفوا من الأحوال الباطنة على ما لا يتوصل إليه غيرهم ممن لا يشفع في تقريبه حسنه. فما انفصلوا عن القاهرة إلا وقد


(١) علي بن محمد بن أحمد بن حريق البلنسي: أبو الحسن، شاعر، عالم بالأدب، ولد سنة ٦٢٢ هـ/ ١١٥٦ م، وتوفي سنة ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م.
له: «ديوان شعر» في جزأين، و «شرح مقصورة ابن دريد»
ترجمته في: فوات الوفيات ٢/ ٧٠، زاد المسافر ٢٢ - ٢٧، التكملة لابن الأبار ٣/ ٣٣٢، المغرب ٢/ ٣١٨ - ٣٢٠، رايات المبرزين ٨٦، نفح الطيب ٢/ ٧٧٩، الأعلام ٤/ ٣٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>