للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلا مدينة بلنسية، وما في ظاهرها من المياه والبساتين والبحيرة التي تقابلها الشمس، فيكثر فيها نور بلنسية، لكفاها، فكيف وكل مكان بها ترتاح إليه النفس ويعظم به الأنس.

وفي بر العدوة أماكن للفرجة متعددة آخذها بمجامع القلوب، وأزمة الابهار بليونس، متنزه بظاهر سبتة على البحر في نهاية من حُسن الوضع وانحدار المياه التي لها على الصخور ذي، والتفاف الأشجار، وتزخرف المباني، وكثرة الفواكه الطيبة المختلفة الأنواع.

واجتمع علي بن سعيد صاحب كتاب المغرب مع العماد السلماسي في مجلس جرى بين أهله ذكر المشرق والمغرب، وزاد في ذلك المجلس من التنقص والتهكم بالمغرب حتى كاد تقوم بينهم الحرب فكتب إليه علي بن سعيد: [من الوافر]

وَلَوْ تُرِكَ القِطا لَيْلًا لَنَامَا

وهذا مما أثاره ذلك المجلس، ولا ملام العجب ممن سأل عن المغرب في ذلك المجلس المغرب، هل فيه انهار مثل المشرق، أو ليس فيه أنهار بسؤال يُظلم الجور على صفحاته، ويجول الازدراء في جنباته: [من الطويل]

رَمَتْنِي سِهَامُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لا أَرَى … فَمَا بَالُ مَنْ يُرمَي وَلَيْسَ بْرَامِ

وإني لأقسم بمن أجرى الأنهار من الصُّمّ الجبال، وسلك بها في بُسْط الأرض ذات الجنوب والشمال؛ لو أن السائلين عن المغرب هل به أنهار عاينوا من نهر إشبيلية نهرًا يصعد من البحر المحيط فيه سبعون ميلًا عابرًا على المدينة مصعدًا إليها السفن بالأرزاق والبضائع من البحر دون مكابدة، ثم يحدر أمثالها الجزر دون جهد، ولم يتغير عذوبة الماء بالبحر الملح، وقد طرّز الله جانبيه بطراز من ألفاف البساتين ذوات الثمر والظلال، ورصعها - فيما بين ذلك - بمصانع درّية الألوان، كأنما وضعها الخالق - جل وعلا - من خيم الجنان؛ لأقرّوا بالتسليم إلى ذلك وأحالوا بالتقديم على ما هنالك، ولو عاينوا حضرة سرقسطة التي حفت بها من الجهات الأربع أربعة أنهار، كأنما تغايرت عليها، فمالت بالمصافحة والتقبيل من كل جهة إليها، لعذروا القائل: [من الكامل]

نَهْرٌ يَهِيمُ بِحُسْنِهِ مَنْ لَمْ يَهِمْ … وَيُجِيدُ فِيهِ الشِّعْرَ مَنْ لَمْ يَشْعُرِ

مَا أَصْفَرَ وَجْهَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا … إِلَّا لِفُرْقَةِ حُسْنِ ذَاكَ الْمَنْظَرِ

وليس هذا بموضع الإطناب. وقد عزمت أن أفرغ الفكر لكتاب أجعله بين الخصمين ميزانًا وأخلده عن الجهتين عنوانًا: [من الرجز]

<<  <  ج: ص:  >  >>