وكان القاضي الفاضل يقول: ماء دمشق يتخلل منه؛ أراد أن الأزبال التي تتخذ للبساتين تمتزج معه؛ لأن أنهار الغوطة تشق بكليتها بساتينها، وأنهار غرناطة منها مذائب تنقى في تصرفها، وتبقى جماهير الأنهار تتخلل مروج البسائط.
وتزيد غرناطة على دمشق في الفرجة العظمى بأنها تاج مشرف على بسيط يمتد نحو يومين لا ترى فيه إلا أبراجا كبروج السماء، وأنهارا كأنهار المجرة، ومروجا كبسط الحز، وأشجارا كالعرائس، وأطيارا كالقيان. يسافر في جميع ذلك بصرك في دفعة واحدة من غير انعطاف. فسبحان من أفرغها في قالب الحسن الذي لم تر له عيني مثالا.
وَفِيهَا يَقُولُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ سَعِيدٍ: [مِنَ الْكَامِلِ]
سَرِّحْ لِحَاظَكَ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ … فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَحْظَةٌ مُتَأَمِّلُ
وَفِيهَا يَقُولُ ابْنُ أَخِيهِ: [مِنَ الْمُجْتَثِ]
غِرْنَاطَةُ الْحُسْنِ تَيَّهِيْ … عَلَى ذَرَارِي النُّجُومِ
أَشْرَقْتِ مِثْلَ عَرُوسٍ … عَلَى بَسَاطٍ رَقِيمِ
وَكُلُّ نَهْرٍ عَلَيَّهِ … كَمِثْلِ سِلْكٍ نَظِيمٍ
مَا جُرِّدَتْ كُسْوَفٍ … إِلَّا لقَتْلِ الهُمُومَ
وقلعة غرناطة في أعلاها شديدة الامتناع، وقلعة دمشق مساوية معها، يأخذها القتال، وتركبها المجانيق، لكنا لا نغبن دمشق حسن واديها، والشرفين المحتدقين به، وما احتوى عليه ذلك المنظر من القصور الزاهرة، والبساتين الفتانة، مع حسن ترتيب الأنهار واحدا تحت آخر، ومرورها في البساتين بمعظمها.
ولقد نظرت من نهر ثوري في مروره بمعظمه على البستان السلطاني المعروف بالنيرب، وما عليه من المصانع الملوكية، ونبع ماء يزيد من قلبه بحركات بديعة إلى منظر لم أر مثله في غرناطة، وتأملت الربوة - حيث مقسم الأنهار وانحدار نهر يزيد في مبانيها وانصبابه على رأسه منها - فرأيت منظرا فتانا يجب أن يفتخر به ويذكر؛ وإذا صعد المتأمل هذه الربوة، امتد بصره في ألفاف الأشجار المنخفضة عنه نحو مسيرة يوم، وبيان له من ذلك الموضع المرتفع ما لا يوجد في غرناطة لمن أشرف على بسيطها إلا أنه لا يتبين له أنهارها؛ لتكاثف الأشجار عليها، كما تبين في بسيط غرناطة؛ وكل واحدة منها مما يجب أن يتمثل فيه: [من الوافر]
وَلَوْ أَنِّي نَظَرْتُ بِأَلْفِ لَحْظٍ … لَمَا اسْتَوْفَيْتُ مَحَاسِنَكَ الْعُيُونُ
وفي المشرق والمغرب متنزهات كثيرة هذان أشرفها، ولو لم يكن في الأندلس