والمغرب - مع ذلك - أعمرُ من المشرق؛ وذلك أنَّ الله تعالى قرن عمارة الأرض بقربها من البحار، وأنَّ البحر إذا بُعِدَ من الأرض أكثر من خمسة عشر يومًا بطلت عمارتها.
والمشرق قد جعل الله في مواضع الحرارة منه - حيث قلة السكنى في الإقليمين الأول والثاني - بحار الهند ما لصين والزنج التي خُصَّت بكثرة الجزر العامرة، وما يقابل هذا المكان من المغرب صحارٍ مُقْفرة إلا خيط النيل المغربي بما على ضفتيه من بلاد السودان.
والإقليم الرابع الذي هو معظم العمارة والاعتدال استولى على أكثره بحر الزقاق؛ وهو في المشرق بضد ذلك من اشتباك العمارة المتصلة.
والمناظرة بين المشرق والمغرب تحتمل كتابًا، وقد صنّفته بالشام لضرورة دعت إلى ذلك من شدّة اتحاد المشارقة على المغاربة من كلّ جهة حتى قال ابن دحية في خطبة كتابه «في أخبار المغرب» يخاطبهم (١): [من الطويل]
وسَميت الكتاب الذي وضعته في ذلك «الشهب الثاقبة في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة».
والذي يسع هذا المكان أن نذكر ما استدلَّ به المشارقة واستظهروا. قال البيهقي: للمشرق الفخر بتقدمهم في القرآن والحديث، وفي الحديث النبوي:"خيرُ الأرض مشارقها".
قال: وهي مطلع الأنوار، وإليها كانت قبلة الأوائل، وأتى للمغرب بمفاخرة المشرق؟ وعندنا ظهرت مباعث النبوة، وفينا نبتت شجرة الأبوة، ومنّا نشأت الدول والملل، ومن أفقنا طلع العلم والعمل؛ وكل شيء يُفْخَرُ به، فإنَّ المشرق فيه للمغرب رأس، وكلُّ ما أحكم عندكم بنيانه وإتقانه، فمنا كان فيه الأساس.
وفاخر مُشرقيٌّ مغربيًا، فقال بينهما الكلام إلى أن قال المشرقي: لو لم يكن لنا عليكم من الفضل إلا أنَّ الشمس التي بها إنارة العالم وحياتهم تطلع من عندنا، فقال المغربي: ونحن أيضًا تطلع من عندنا في وقت، فقال المشرقي: الله لا يرينا ذلك الوقت.