للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولم يبقَ للمشرق بقية يُباهي بها المغرب.

على أنَّ الأمر ليس كذلك، - والله أعلم - فإنَّ كلًا من الشرق والغرب من حيث هو أمر نسبي؛ ألا ترى أنَّ أهل إفريقية يعدّون بر العدوة غربًا وبرقة شرقًا؟ وأهل برقة يعدُّون إفريقية ومصر شرقًا؟ وأهل مصر يعدُّون برقة غربًا وأهل الشام شرقًا؟ وأهل الشام يعدُّون مصر غربًا والعراق شرقًا؟ وهلمّ جرا - إلى نهاية المشرق.

فيتبيّن حينئذٍ أن قول الشرق والغرب أمر نسبي؛ وإذا تبيَّن هذا وقد تقرَّر أن العالم كُرِيٌّ، وأنه لا يمتنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الناحية الأخرى مسكونًا، صار مشرق هذا العالم مغربًا لتلك الجهة، ومغربه مشرقًا، فكيف يجوز الإطلاق، ولم يبقَ إلا المصطلح العُرفي؟ والمغاربة على هذا المصطلح، أعني سكان الجانب الغربي عن مصر غاية ما سمت همتهم إليه، وتعلقت أيديهم بنسبته إلى قطرهم هو إقليم مصر.

ألا ترى ما قدمناه في الفصل الذي قبل هذا من قول ابن سعيد: إن مصر أول المغرب، والشام أول المشرق؛ وكذلك مما قال في هذا المعنى غير ذلك.

وابن سعيد هو واحد فضائلهم في هذا الشأن؛ وقد تعصَّب لأفقه غاية التعصُّب، ووضع في ذلك كتابه المسمى بـ «المغرب في حُلى المغرب» ومع هذا فما زاد على ما ذكرنا على أنه لم يألُ جهدًا، ولا ترك قدرة في المقال؛ ولو وجد حجة لأتى بها، أو شبهة لاستند إليها.

وقال ابن سعيد في كتاب «المشرق في حُلى المشرق» جملة الحدّ في كتبهم: أنَّ الله قسم المشرق من المغرب بالبحار فما كان في شرقي بحر الإسكندرية، وخليج القسطنطينية، فهو من حساب المشرق، وما كان في غربي ذلك فهو من حساب المغرب.

قال البيهقي: فيكون المشرق على هذا أطول من المغرب؛ لأنَّ جملة المعمور اثنا عشر ألف ميل، وطول بحر الإسكندرية إلى وقوفه بسواحل الشام حيث أول المشرق أربعة آلاف ميل، فيبقى للمشرق ثمانية آلاف ميل.

ويعضد ذلك الحساب بالدرج في الطول؛ وذلك أنَّ العمارة تنتهي في الطول إلى مائة وثمانين درجة، فنحتاج أن يكون النصف حين ينتهي إلى تسعين درجة؛ وذلك في خراسان حيث مرو وجهاتها.

ووجدنا بساحل البحر الشامي حيث عسقلان ينتهي في الطول إلى خمس

<<  <  ج: ص:  >  >>