للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: وأنشدني العماد السلماسي لنفسه: [بحر المتقارب]

إِذَا ذُكِرَ الْمَغْرِبُ فِي مَحْفَلٍ … فَلَا يَذْكُرَنَّ بِهِ الْمَشْرِقُ

طُلُوعُ الْغَزَالَةِ فِي أُفْقِنَا … وَفِي أُفْقِكُمْ أَبَدًا تَغْرُبُ

وَتُشْرِقُ أَنْوَارُهَا عِنْدَنَا … وَعِنْدَكُمُ نُورُهَا يُسْلَبُ

ثم قال ابن سعيد - ما صورته: فصل جامع مختصر يليق بهذا المكان -: أمعنتُ النظر فيما دخلته من بلاد المغرب والمشرق من البحر المحيط إلى خراسان، فرأيت المحاسن مقسّمة لم يقصرها الله على مكان ولا إنسان، لكن الأغلب على البلاد المشرقية التظاهر بالمروءات، والتكاثر بالمزارات والمشاهد، والمدارس، والرُبط، والأوقاف الدارة التي تعيش بها الفقراء، وتستعين بها العلماء والمتعلمون، ويجدها الملوك في بعض الأوقات الضرورية؛ ولكن أسباب الرئاسة والرفاهية جبارية الإمكان، غالية الأثمان، ومرافق المغرب في المركوب والملبوس والمأكول والمشروب أرخص وأقرب مرامًا، ويمكن المرء أن يتجزأ في المغرب بما لا يمكنه أن يتجزأ بأضعافه في المشرق؛ لكثرة تجبّرهم في العظمة الكسروية، والنعم التي لا تطمع إليها نفوس المغاربة، ولا يألفها في المغرب والمشارقة لهم التظاهر بأمور الرفاهية في مركبهم ومجالسهم، فإذا دخلت منازلهم، تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظواهرهم، بضد المغاربة. والأغلب على المشارقة التغاضي، وترك الحقد، وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من المسامحة في القول، والإخلاف للوعد، وقلة المبالاة والارتباط، ونبذ الحقوق، ومراعاة الآداب الإنسانية ما يقطع النفس حسرات. ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره إلا أهل بغداد.

وقال في المغرب (١): " يا لله لأهل المشرق قولة غاص بها شرق هلًا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، ولم يخرجهم الازدراء بالمكان عن حدّ الإمكان؟ لئن أرهقت بصائرهم البصرة، وأرَّقها الرقتان، ومرجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، وينشد ما قاله بعض شعرائنا في هذا الشأن: [من الطويل]

فَزَادَ لِفَضْلٍ أَنْ يَكُونَ لَدَيْكُمُ … فَمَا بِالْكُمُ تَأْبُوْنَ إِنْ كَانَ عِنْدَنَا

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي الْعَدِّ أَكْثَرَ مَفْخَرًا … فَلَا تَظْلِمُوْنَا فِي الْقَلِيْلِ الَّذِي لَنَا

قلت: والذي قاله ابن سعيد منقوض عليه في أكثره؛ أما قوله: - إن المحاسن مقسّمة لم يقصرها الله على مكان ولا إنسان لكن الأغلب على البلاد المشرقية التكاثر


(١) كذا وردت في الأصل، والنقل من كتاب المطرب ص ١٤٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>