حدث هذا كله في وقت تأكدت فيه لمصر الإسلامية المملوكية الزعامتين الدينية والسياسية، وفي وقت أيضًا كانت فيه بغداد عاجزة تمامًا عن القيام بدورها في حماية وصيانة وتجديد الفكر العربي والإسلامي (١).
[وصف المخطوطة]
تقع مخطوطة المسالك - كما يُظن أن مؤلفها قد تركها عليه من حيث التقسيم - في سبعة وعشرين جزءًا، ولذا حاول فؤاد سزكين في نشرته لها أن يحافظ على هذا التقسيم، بالتلفيق بين عدة مخطوطات، اختار أجود أجزائها ليقدم إلينا نسخة مكتملة منها، فكانت هذه النسخة التي اعتمدنا على تحقيق موضوع السيرة النبوية منها وهي - كما ذكرنا آنفًا - نشرة معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية التابع لجامعة فرانكفورت، والصادرة سنة (١٩٨٩ م)، والمصورة عن مخطوطة أحمد الثالث باسطنبول، وهي مجهولة الناسخ، وكان يظن أنها بخط مؤلفها، وإن لم يُر في النسخة بأكملها ما يشير إلى ذلك. ونحن نظن أن ابن فضل الله لم يتيسر له كتابة أي من أجزاء الكتاب بيده لأن تأليفه له كان لاحقًا لحادث قطع يده.
وإن كنت أرى مع ذلك أن هذه النسخة تكتسب أهمية خاصة لكونها التي اطلع عليها التقي المقريزي، ونقل عنها في عدة مؤلفات من مؤلفاته، انتقاء على النحو المثبت على غلاف المخطوطة بخط يده، والذي قال فيه:«انتقاه داعيًا لمعيره أحمد بن علي المقريزي» وهو ما يستفاد منه أنها نسخة نفيسة، وإلا لما نقل عنها داعيًا للمعير الذي حبسها عن أن تخرج لغيره.
ويقع القسم الذي قمنا بتحقيقه في الجزء الثالث والعشرين فيما بين صفحتي ٢٤٨ - ٣٦٩، وهي ذات قطع طويل تحتوي كل صفحة منها على ثلاثة