كبيرة بوظائف العمل في الدواوين في بلاد الشام ومصر، وفي دمشق بصفة خاصة، حيث كان والده يعمل في كتابة السر، وهي إحدى الوظائف المهمة في ديوان الإنشاء، وفي نفس الوقت كان ابنه شهاب الدين - بتأثير من مركز والده - يعمل كاتبًا في ديوان الإنشاء هو الآخر. وما أن انتقل والده إلى مصر ليتولى وظيفة كاتب السر هناك، حتى صار ولده شهاب الدين هو الآخر يقرأ البريد على الملك الناصر محمد بن قلاوون، وينفذ بعض المهمات التي يعهد إليه بها السلطان (١).
وظلت الأحوال على حالها بمؤرخنا من طيب العيش ولذة الحياة في مصر، حتى إذا كانت سنة (٧٣٨ هـ) عَيَّن السلطان الناصر محمد بن قلاوون علم الدين بن القطب في وظيفة كاتب السر، فاعترض ابن فضل الله على ذلك وقال للناصر إنه قبطي، فلم يلتفت الناصر إلى ذلك، وأمر ابن فضل الله أن يكتب لعلمِ الدين بن القطب زيادة في راتبه، فامتنع عن ذلك وقال: أما يكفي أن يكون كاتبًا للسر حتى يزاد في معلومه (أي راتبه) وقام مغاضبًا للسلطان وهو يقول له: «خدمتك عليَّ حرام»(٢). وعلى الرغم من تدخل والده بالاعتذار لدى السلطان، وطلب العفو منه، إلا أن السلطان أصر على عزل شهاب الدين من وظيفته، وإحلال أخيه علاء الدين مكانه. كذلك أمر السلطان أن تحدد إقامة شهاب الدين ابن فضل الله العُمري في بيته (٣).
توفي والد شهاب الدين بعد ذلك، فرفع بنفسه طلبًا إلى السلطان الناصر يسأله فيه أن يسمح له بالسفر إلى الشام، فحرك هذا الطلب ما كان ساكنًا في نفس السلطان من الغضب عليه، فأمر السلطان باعتقاله وسجنه، ومصادرة أمواله، وكان ذلك في شعبان سنة (٧٣٩ هـ)(٤). ولم يقف الأمر عند هذا الحد،
(١) ابن تغري بردي: المنهل الصافي، ج ٢، ص ٢٦٤. (٢) المصدر السابق، نفس الصفحة، النجوم الزاهرة جـ ١٠، ص ٧٤٩، ابن حجر: الدرر الكامنة، ج ١، ص ٢٩٣، ٢٩٤. (٣) المصدر السابق، ج ١، ص ٢٩٤. (٤) المصدر السابق، نفس الصفحة.