لغيرها، وكان يميل للتقليد حتى من توفرت له شروط الاجتهاد، بُعدا عن الفتن وبطش الحكام، حتى إن الشيخ عز الدين بن جماعة شيخ العراقي رمى معاصريه من الفقهاء بالجبن حين قالوا: إن المجتهد المطلق في هذا الزمن معدوم فقال: (إحالة أهل زماننا وجود المجتهد يَفْتُرُ عن جبن ما، وإلا فكثيرا ما يكون القائلون لذلك من المجتهدين)(١).
أما ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فشناها حربا على الحكام والعلماء القائلين بالتقليد المحض، وأبديا بالفعل، بعض الأقوال الاجتهادية، وقد تبع العراقي مذهب الشافعي واجتهد من خلاله في الإفتاء والقضاء، وفي بحثه لفقه السنة كما سيأتي.
أما بالنسبة لعلوم السنة، فقد تقدم أنه توارد على رفع رايتها الأيوبيون ثم المماليك، وكانت عدتهم في مساندة الفقه السني ومناهضة التشيع.
ولا شك أن توفر دولتين كبيرتين على العناية بعلوم الرواية والدراية لأكثر من قرنين من الزمان، حتى وفاة العراقي، كفيل بأن يصل بها إلى ذروة النهوض والإتساع، خاصة مع تضاعف الاهتمام بها من دولة لأخرى، نتيجة لتطور الأحداث، ذلك أن الأيوبيين كان عليهم إحياء السنة في مواجهة الشيعة في الداخل، فاكتفوا - كما مر - بإقامة دور عديدة اختصت بدراسة الحديث وتخريج المحدثين.
أما المماليك، فإن دولتهم إلى جانب مسئوليتها عن مناهضة بقايا الشيعة،
(١) «الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ٢٠٠ ضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب المصرية.