لم ينشطوا لجمعه، ويوفروا جهودهم على تحقيق النصوص ونشرها؟ من المؤكد أننا كنا سنعاني الإفلاس كغيرنا ممن أهمل أسلافهم فيما جد فيه أسلافنا، فجزاهم الله خيرا، على أن كثيرا منهم كان يعمد إلى تعقب ما ينقله من الآراء والنقول برأيه الخاص، فيستحسن ويرجح ويختار وينتقد مع قرن ذلك بالحجة والبرهان، كما سنراه في الإنتاج العلمي للحافظ العراقي وأقرانه.
هذا ما يتعلق بالوضع العام الذي سيطر على الروح العلمية لهذا العصر ووجهها وجهة الاهتمام بالعلوم الشرعية بالدرجة الأولى، وجعل منهج التعليم يقوم على الحفظ، ومنهج التأليف يقوم على النقل والجمع والترتيب مع إبداء الرأي في أحيان كثيرة، وإلى جانب هذا الوضع العام، وجدت عوامل خاصة أثرت في درجة الاهتمام بكل علم وما يتعلق به، فبالنسبة للفقه، كان على رأس القائمة، لأنه وسيلة بيان العبادات والمعاملات، ومادة القضاء في جميع الأحكام كما قدمنا.
ومن جهة أخرى فإن الدولة ربطت عموم الوظائف بالإنتساب لأحد المذاهب الأربعة، كطريق لمناهضة الشيعة، فلم يكتف الظاهر بيبرس بقصر القضاء والإمارة على مقلدي المذاهب الأربعة كما بينا، بل كان قراره «أن لا يول قاض ولا تقبل شهادة أحد، ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس، ما لم يكن مقلدا لأحد المذاهب الأربعة»(١).
وقد استمر هذا القرار معمولاً به طيلة عصر المماليك، وكان له أثر معاكس لما قصد به من النفع، حيث أشاع روح التقليد في العلوم الفقهية وتعداها
(١) «الخطط» للمقريزي جـ ٤/ ١٦١ و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٥٤.