للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالحكم على العلم والعلماء في عصر المماليك بصفة عامة بالجمود، وتعليل ذلك بأنهم أكثروا النقل عمن تقدمهم وترديد آراء غيرهم (١).

ولو أنهم نظروا إلى العصر بمنظاره، ولاحظوا تلك الظروف والعوامل التي واجهت الحركة العلمية فيه تعليما وتعلما وتأليفا، لرأوا أنه كان عصرا مجددا لحضارة الإسلام بعد التدمير، لا جامدا، وأن علماءه بهذا الاعتبار مجددون عصريون؛ حيث لبوا مطالب عصرهم الملحة، وهي حفظ التراث الذي هو مخ العلوم أولا من عوامل الضياع المتسلطة عليه والمتربصة به من كل جانب، فأكبوا على تعويض ما قذفه الغزاة في بطن دجلة والفرات، وما أشعلوا حرائقه في ربوع الشام، وما مزقته سنابك الخيل حيثما حلت، فكانوا بلا مبالغة بناة لحضارة الإسلام بعد تعرضها لحملات المحو والطمس الضاريتين، وكان في حرصهم على النص زاد لمن بعدهم، وإن من يتصفح مراحل التدوين العام لأصلي العلوم الإسلامية من النصوص، وهما الكتاب والسنة يجدها تمت في ظروف مشابهة لظروف المسلمين في الحروب الصليبية والتترية وما تلاها، فكان جمع القرآن في عهد أبي بكر لما استحر القتل بحفاظه في حروب الردة، وجمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز لما رأى حفاظها يتناقصون بالموت، ثم تركزت الهمم بعد ذلك للتحليل والاستنباط.

وإذا كنا مع انتقاد علماء تلك المرحلة بالإكثار من النقل والجمود عليه كما يقال، ما نزال نجد البون شاسعا بين مؤلفات المتقدمين الواردة في تراجمهم، وبين الموجود لدينا حاليا منها، فماذا كان سيصبح عليه حال التراث العلمي لو


(١) (الناصر محمد بن قلاوون) للدكتور محمد عبد العزيز ص ٤١، ٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>