مؤلفها بأن العلوم قد نسيت، ونصوصها تبددت، وأن عليه أن يتوفر على جمعها وتبويبها وعرضها من جديد (٢).
وفي كل ذلك كان يحرص العلماء على نقل أكبر قدر يحصلون عليه من نصوص وأقوال الأئمة السابقين، أكثر من حرصهم على إبداء رأيهم الشخصي تأثرا منهم بحالة الإبادة التي حلت بالتراث في معاقله بالشرق والغرب، فأصبح ما تبقى لديهم من نصوص أسلاف العلماء عزيزا عليهم وأهم من آرائهم، فحرصوا على تسجيله وجمعه حتى ينتشر من جديد، ويحفظ فلا يضيع كما ضاع كثير غيره، ولم تبق إلا أسماؤه في تراجم أصحابه ثم إن معظم العلوم الإسلامية إن لم يكن جميعها، كانت قبل نكبتها هذه، قد بلغت على يد السابقين درجة عالية من الاكتمال والنضج والخصوبة، فأصبح الابتكار مرهونا بوجود قضايا لم تطرق من قبل على نحو ما رأى السابقون، ولم توضع بشأنها قاعدة بواسطة أولئك الرواد الأوائل يرتضيها من جاء بعدهم، وقد أكثر الأوائل من طرق المسائل ووضع القواعد لمعظم العلوم، ثم كان إحساس المتأخرين بفساد الزمن وضعف الهمم عاملا قويا في جعلهم يفضلون آراء المتقدمين، الذين توسموا فيهم الصلاح والتحقيق العلمي، هذا بالإضافة إلى أن طبيعة العلوم النقلية، أن يعتمد المتأخر فيها على المتقدم، حتى الأوائل كالشافعي والبخاري والحاكم، وأمثالهم، قد فعلوا ذلك، فما بالنا بالمتأخرين، وما بالنا إذا كانت تلك العلوم أصل العقيدة والشريعة؟!
لكن كثيرا من الباحثين المحدثين يعرضون عن هذه الاعتبارات ويسرعون
(٢) المرجع السابق ص ٩٢ و «الأيوبيون والمماليك»، ص ٣٦٤، ٣٦٥.