الوجه الأول: أنَّ القول بعدم وقوع الوقف بحجَّة أنه من الشيطان يقتضي إسقاط الحدود والأحكام عن أصحابها؛ لأنَّ إتيانها بنزغ من الشيطان، وهذا لا يُقرُّهُ شرع ولا عقل (١).
ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بهذا المُقتضى إلاَّ أنَّ تحقُّق هذا فيما لو أطلق القول بهذا في جميع الأحكام، فالقول به محصور في بعض المواضع.
الوجه الثاني: أنَّ نسبة العمل للشيطان من باب التنفير من هذا الأمر؛ لما سيُخلِّفُهُ من آثار الحسرة والنَّدامةِ، لذلك أرشد الشَّارع إلى الوسائل المُحصِّنة من الشَّيطان، دون أن ينفي مؤاخذة العبد على ما تجنيه جوارحُهُ (٢).
ونوقش: بما نوقش به الوجهُ الأوَّل.
٥ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُهُ إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبُها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجرَ إليه "(٣).
وجه الدلالة: في هذا الحديث بيان أنَّ مدار قبول الأعمال وعدمه على النّيَّة بشروطها التي من بينها أن تكون صادرةً من عاقل مُختار، فبناءً على ذلك استَنبَطَ البخاري ﵀ من هذا الحديث عدم وقوع طلاق الغضبان وكذا وقفه؛ لخروج الأمر عن رضاه واختياره (٤).
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مصدر سابق، (٩/ ٣٠)، بتصرُّف. (٢) يُنظر: جامع العلوم والحكم (ص ١٢٩)، بتصرف. (٣) تقدم تخريجه برقم (٥٩). (٤) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٤)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٩/ ٣٠١).