للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأمر الثالث: أنّ توسيع دائرة التحريم في باب الغرر والضيق فيه يصعب معه الالتزام الفقهي، ويضطر المتفقه إما إلى ترك مذهبه، وإما إلى الحيلة، يقول ابن تيمية : «كلُّ من توسَّع في تحريم ما يعتقده غررًا: فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه الله، فإمَّا أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة وإما أن يحتال. وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم فما رأينا أحدًا التزم مذهبه في تحريم هذه المسائل ولا يمكنه ذلك. ونحن نعلم قطعًا أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها. فمن المحال: أن يحرم الشارع علينا أمرًا نحن محتاجون إليه ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها. وإنما هي من جنس اللعب» (١)، ونقل ابن القيم عن ابن تيمية -رحمهما الله- في مسألة البيع بسعر السوق قوله: «الذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه» (٢).

الأمر الرابع: أنَّ الاختلاف في تحقيق مناط الغرر في أعيان المسائل من جهة وجود أصله أو من جهة كونه تابعًا أو يسيرًا أو دعت الحاجة إليه هو بعينه سبب الاختلاف في نوازل الغرر في زماننا، ومن مشهور مسائل الخلاف اليوم: حكم التأمين التجاري، فالمانعون أقوى أدلتهم هو الغرر الفاحش في التأمين التجاري (٣)، وأما المجوزون فتمسكوا بأصل الإباحة، ولهم مسالك في الاعتراض على وجود


(١) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٤٥).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٥/ ٤٠١).
(٣) انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (٤/ ٣٠٨)، عقود التأمين حقيقتها وحكمها للدكتور حمد الحماد (ص: ٧٤). وقال الشيخ الباحث دبيان الدبيان -حفظه الله- عن دليل الغرر: إنه «أقوى دليل للمانعين، أو لعله هو الدليل الوحيد الذي يستحق الوقوف عنده، والمناقشة» المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٤/ ١٤٢).

<<  <   >  >>