للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومن الحنابلة: استدل ابن قدامة على جواز ضمان المجهول بـ «أنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في المجهول؛ كالنذر والإقرار» (١).

ونصَّ ابن تيمية على أنَّ الشافعي «قاس على بيع الغرر جميعَ العقود؛ من التبرعات والمعاوضات فاشترط في أجرة الأجير وفدية الخلع والكتابة وصلح أهل الهدنة وجزية أهل الذمة: ما اشترطه في البيع عينًا ودينًا؛ ولم يجوز في ذلك جنسًا وقدرًا وصفة إلا ما يجوز مثله في البيع، … » (٢).

ومن وجه آخر استدل البهوتي على عدم جواز الغرر في الصداق؛ بـ «ـأنَّ الصداق عوض في حق معاوضة فأشبه الثمن» (٣)، فجعل الصداق في حكم عقود المعاوضات، ولذا منع فيه الغرر كما يمنع في البيع.

ويلحظ المتأمل في النُّصوص المتقدمة أن العقود ليست على درجة واحدة من حيث وجود الغرر فيها، وأنَّ لكل مذهب نظرًا مغايرًا فيما يجوز فيه الغرر من العقود وما لا يجوز.

وفي ختام هذا المبحث يحسن التنبيه على أمور أربعة:

الأمر الأول: أنَّ باب الغرر أهون أمرًا من باب الربا؛ ولذلك سدَّ الشارع باب الربا بالكلية، وأما الغرر فقد أبيح منه اليسير، والتابع، وما تدعو إليه الحاجة بإجماع العلماء كما تقدم، ولم يُبح هذا في الربا. وفي هذا يقول ابن تيمية : «مفسدة الغرر أقلُّ من الربا، فلذلك رُخِّصَ فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا؛ مثل: بيع العقار جملة وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس،


(١) المغني (٤/ ٤٠١). وانظر أيضًا: كشاف القناع (٣/ ٣٦٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٣١ - ٣٣).
(٣) كشاف القناع (٥/ ١٣٢).

<<  <   >  >>