الحاجة» (١). ففي المثال الأول: منع من وجود الغرر في المسألة، وفي المثال الثاني: سلَّم بوجود الغرر، ولكن جعل الحاجة دليلًا لإباحته.
ومنع ابن تيمية ﵀ من وجود الغرر في بيع المغيبات في الأرض، ويقول:«هذا ليس من الغرر؛ بل أهل الخبرة يستدلون بما يظهر من الورق على المغيب في الأرض كما يستدلون بما يظهر من العقار من ظواهره على بواطنه وكما يستدلون بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك، والمرجع في ذلك إليهم»(٢)، وقال أيضًا:«أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه، والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به، وهم يقرُّون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يُعرَف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى»(٣).
وقرَّر ابن القيم ﵀ جواز بيع المسك في فأرته، ودفع قول المخالف بأن بيعه «لا يسمى غررًا لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا»، ثم قال:«من حرم بيع شيء، وادعى أنه غرر، طولب بدخوله في مسمى الغرر لغة وشرعًا»(٤)، وقال بنحو هذا في مسألة بيع الباذنجان ونحوها بعد بدو الصلاح (٥).
بل شدَّد ابن القيم ﵀ في تحقيق مناط الغرر في أعيان المبيعات، وجعل مرده إلى أهل الخبرة، وليس إلى الفقهاء، يقول في ذلك: «قول القائل: (إن هذا غرر
(١) المغني (٥/ ٣٢٢). وفي مسألة ثالثة نصَّ الموفق على المنع من إجارة الفحل للضراب، وقال: «هو مجهول، فأشبه اللبن في الضرع» وفي هذا ردٌّ على المالكيَّة الذين قالوا بجواز العقد. انظر: المغني (٥/ ٤٠٦). (٢) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٤٨٨). (٣) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٣٦). (٤) زاد المعاد في هدي خير العباد (٥/ ٧٢٨). (٥) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (٥/ ٣٩٧).