ومن الشافعيَّة نص النووي ﵀ على استثناء الغرر اليسير من التحريم، ثم قال:«ما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده كبيع العين الغائبة مبني على هذه القاعدة، فبعضهم يرى أنَّ الغرر حقير فيجعله كالمعدوم فيصحُّ البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير فيبطل البيع، والله أعلم»(١)، وبنحو هذا التقرير ذكر في المجموع أيضًا (٢).
ومن قبله أشار الجويني ﵀ إلى أنَّ بعض الخلاف عند الشافعيَّة في مسائل الغرر عائد إلى اضطراب النظر في شدة الحاجة المبيحة للغرر من عدمه (٣).
ومن الحنابلة: ابن قدامة ﵀ إذ ذكر قول المانعين من بيع الغائبات بالصفة وذكر دليلهم، وهو أنه مجهول لا تحصل به معرفة المبيع، فأجاب بقوله:«لا نسلِّم أنه لا تحصل به معرفة المبيع، فإنها تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهرًا، وهذا يكفي؛ بدليل أنه يكفي في السلم»(٤). وقال أيضًا في جوابه على من حرّم الإجارة بدعوى الغرر بقوله: «ما ذكره من الغرر، لا يلتفت إليه، مع ما ذكرنا من
(١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٦). وانظر أيضًا: فتح الباري لابن حجر (٤/ ٣٥٧). (٢) انظر: (٩/ ٢٥٨). (٣) نهاية المطلب في دراية المذهب (٥/ ١٥٥). ولما بيَّن الماوردي ﵀ جواز الإجارة، دفع قول من يقول بأنه من الغرر المحرم -وهو قول شاذٌّ قال به الأصم وابن عليَّة- بقوله: «الجواب عن استدلالهم بنهيه عن الغرر فمن وجهين: أحدهما: أنه ليس بغرر؛ لأن حقيقة الغرر ما تردد بين جوازين على سواء والأغلب في الإجارة حال السلامة. والثاني: أنه غرر خص بالشرع لقلته وضرورته» انظر: الحاوي الكبير (٧/ ٣٩٠). فتجده في الوجه الأول يمنع وجود الغرر في الفرع بالكلية، ثم في الوجه الثاني يسلم بوجوده ولكن يجعله من الغرر المباح؛ لقلته من جهة، وللضرورة من جهة أخرى. (٤) المغني (٣/ ٤٩٦).