للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومجهول) هذا ليس حظ الفقيه ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدوه قمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه: يحل كذا؛ لأن الله أباحه، ويحرم كذا؛ لأن الله حرمه وقال الله تعالى وقال رسوله وقال الصحابة، وأما أن يرى هذا خطرًا وقمارًا أو غررًا فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا أم لا، وكون هذا البيع مربحًا أم لا، وكون هذه السلعة نافقة في وقف كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مِثْلُهُم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية» (١). والمراد بقوله في الجملة الأخيرة: (فالفقهاء بالنسبة … ) أن الفقهاء من حيث معرفة الغرر في أعيان المبيعات، كالعوام من حيث معرفة الأحكام الشرعيَّة.

ومع اختلاف المسائل في جميع ما تقدم يلحظ الناظر أن كلام أهل العلم يدور حول وجود الغرر في محل النزاع أم لا، ثم إن كان فيه: فهل تحققت فيه شروط التحريم (من كونه كثيرًا، أصليًّا، لم تدع الحاجة إليه) أم لا؟ وهذا هو معنى تحقيق المناط.

إذ تبين ما تقدَّم؛ فإنَّ السبب الثاني للسعة والضيق في الباب يرجع إلى اختلاف المذاهب في حكم الغرر في غير المعاوضات، فالشافعيَّة منعوا الغرر في جميع العقود في الجملة (٢)، على حين قصر المالكيَّة الغرر الممنوع على عقود المعاوضات وما يشابهها في معنى المعاوضة، وتوسَّط بينهما الحنفيَّة والحنابلة.


(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٥/ ٤٠٠).
(٢) وهذا في الجملة؛ لأنَّ بعض العقود حصل الاتفاق بين الشافعيَّة والجمهور على عدم تأثير الغرر فيها، من ذلك: عقد الوصية وقد تقدَّم.

<<  <   >  >>