المتوسط والغرر الذي تدعو له الضرورة- تختلف في تطبيقاتها في بيئة عن بيئة، وفي عصر عن عصر، بل تختلف الأنظار أيضًا في البيئة الواحد والعصر الواحد» (١)، ثم ذكر بعض مسائل الخلاف المبنيَّة على اختلاف أنظار الفقهاء.
وقد أشار إلى هذا المعنى جملة من علماء المذاهب الأربعة:
فمن الحنفيَّة: ينص القدوري ﵀ على أن بيع المطعومات بقشرها جائز، وأن اسم الغرر لا يتناوله. قال ذلك في معرض الجواب على قول الشافعيَّة: إنه غرر (٢). فالقدوري هنا لم يسلم للشافعية دعوى الغرر في الفرع المتنازع فيه، وهذا معنى تحقيق المناط. وبمثل هذا ما ذكره القدوري دليلًا للشافعية في (أن بيع المطعومات في قشرها لم تدع إليه الحاجة حتى يقال بإباحته) ثم دفع ذلك بالمنع وعدم التسليم (٣).
ومن المالكيَّة: يقول ابن رشد الجد ﵀:» يقع الاختلاف بين العلماء في فساد بعض أعيان العقود لاختلافهم فيما فيه من الغرر، هل هو من جنس الكثير الداخل تحت نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر المانع من صحة العقد، أو من جنس اليسير المستخفِّ المستجازِ في البيوع الذي لا يمنع من صحة العقد» (٤).
وقال ابن رشد الحفيد ﵀: «الفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات
(١) مصادر الحق في الفقه الإسلامي (٣/ ٣٨)، ثم قال السنهوري أيضًا: «وفي عصرنا هذا ينبغي أن يكون نظرنا إلى الغرر ينطوي على شيء من التسامح، فما كان غررًا لا يغتفر في العصور الماضية يصبح الآن بعد تطور النظم الاقتصادية من الغرر اليسير الذي يغتفر». ود. السنهوري يقول هذا الكلام وقد توفي عام (١٣٩١ هـ)، فكيف لو رأى التطور في حال الناس والنظم الاقتصادية اليوم؟! (٢) انظر: التجريد للقدوري (٥/ ٢٤٠٤). (٣) انظر: التجريد للقدوري (٥/ ٢٤٠٥). (٤) المقدمات الممهدات (٢/ ٧٣).