يا معشر الأنصار! فإنكم لا تذكرون لكم فضلًا إلا أنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط الناس دارًا ونسبًا، وإني قد رضِيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين فبايِعُوا أيَّهما شئتم، وأخذى (١) بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فوالله ما كرهت من قوله إلا هذه الكلمة، وكنت لأن أُقدَّم فتُضرَبَ عُنُقي فيما لا يُقرِّبني إلى إثم أحبَّ إليَّ من أن أؤمَّر على قوم فيهم أبو بكر، فلما قضى أبو بكر كلامه، قام منهم رجل، فقال: أنا جُذَيْلُها المُحَكِّك (٢)، وعُذَيقُها المُرَجِّب (٣)، منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش! فارتفعتِ الأصواتُ، وكثر اللَّغَط، فلما أشفقتُ الإختلافَ، قلتُ لأبي بكر: ابسط يدَك أبايعْك، فبسط يده، فبايعتُه، وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصارُ، ثم نزونا على سعد بن عبادة حتى قال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعدًا، وإنا والله ما وجدنا أمرًا هو أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارَقَنا القومُ ولم يكن لهم بيعة أن يُحْدِثوا بيعةً، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى، أو نأبى فيكون ذلك فسادًا (٤).
(١) كذا في الأصل، والصواب عندي "وأخذ". (٢) جُذَيْلُها المُحَكِّك: هو مصغر جذل، وهو العود الذي ينصب للإبل الجَرْبَى لَتَحْتكَّ به، وتصغيره للتعظيم، أي أنا ممن يُسْتَشْفَى برأيه، كما يُستشفَى الإبلُ الجربَى بالاحتكاك بهذا العود. والمُحَكِّك: الذي كثر به الاحتكاك حتى صار أملس. (مجمع البحار، مادة جذل). (٣) عُذَيقها المرجب: هو القنو العظيم من النخيل، والمراد: أنه داهية عالم في الأمور. (كذا في تعليق مصطفى البغا على صحيح البخاري). (٤) رواه البخاري من طريق صالح، عن الزهري أتم من ما هنا وأشبع (١٢/ ١١٧ - ١٢٥) =