المثال الثالث: ما ذكروه في اختيار الفضة معدناً للقوارير المستعملة يوم القيامة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦].
قالوا: لم يذكر الله تعالى هنا الذهب، ولكنه اختار الفضة لسبب مهم؛ وهو أن الفضة تقضي على الجراثيم الموجودة في الماء، فإن الذين يريدون أن يطهروا الماء إما أن يمروها بأنابيب من الفضة، وإما أن يضعوا معها قطعة من الفضة إذا لم يكن الإناء من فضة، وبمجرد تلامس الفضة مع الماء فإنها تطهر الجراثيم الموجودة فيها.
قلت: وهذا التفسير باطل من وجوه:
أولاً: نسي هؤلاء أن الآية تتكلم عن الآخرة. وهل يوجد في الجنة جراثيم؟
ثانياً: إن هذا مخالف للأدلة الكثيرة التي تبين أن الذهب موجود في الآخرة، بل قد جاء النص على وجود آنية من الذهب تصريحاً، وذلك في حديث عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال:(جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما)(١). ففي تفسيرهم للآية مخالفة واضحة، ومصادمة صريحة لحديث رسول الله ﷺ(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة). ومسلم في صحيحه، في كتاب: الإيمان، باب: بابُ إثْباتِ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ رَبَّهُمْ ﷾. (٢) إلا ما كان منفصلا تاما بنفسه عن السنة.