للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

أما الظهور بالحجة والبيان: فهذا لا ينقطع أبدا لأنه لا دين يسامي، أو يداني دين الله ﷿ بحال؛ فجميع الفلسفات، والأديان المحرفات، والنظريات المختلفات، كلها مجرد عبثيات، إذا قورنت بدين الله ﷿. فدين الله غالب بالحجة والبيان، لأنه دين كامل، شامل، متوازن، محقق لمصالح البشر، في كل مكان، وفي كل زمان، ولكل جيل، وقبيل.

وأما الظهور بالسيف والسنان: فهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ لأنه سبقت سنة الله ﷿ أن يداول الأيام بين الناس، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ولم يخرج عن هذه السنن أهل الإسلام لأن الله قد علق نصرهم بنصر دينه، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].

ولما أخلوا بشيء من أسباب النصر يوم أحد، قال مذكرًا لهم، معاتبًا إياهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، لما قالوا: كيف نهزم وفينا رسول الله ؟ - يقتل منا سبعون، ويجرح مثل ذلك، ونبينا يُكْلم، ويقع في حفرة! كيف يكون هذا؟ فأجابهم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أمرهم نبيهم بالثبات، وعدم النزول من جبل الرماة، فخالفوا بعد ما أراهم ما يحبون، ذلك أن منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة. فجعل الله هذا الظهور مقترنًا بالأسباب الشرعية، والأسباب الحسية التي يعتمدها البشر.

ولأجل ذا رأينا حال أهل الإسلام تعتريه أحوال مختلفة. مازال أمر الإسلام في ارتقاء زمن النبوة، فما مات رسول الله إلا وقد استوسقت جزيرة العرب إسلامًا؛ طبَّق الإسلام الجزيرة بأكملها، فكان

<<  <   >  >>