يتقن الفروع، ولكن أدرك حقيقة التوحيد، وأصل الدين، يغلب ألفًا من هؤلاء المشركين، لأن الحق معه، فحجته سهلة واضحة، وأولئك يحاولون مصادمة الحقائق بأنواع التكلفات، ولذلك يغلبهم بكلمة واحدة. فإذا استدل بقول الله، أو قوله رسوله، خضعت له الرقاب. وليس مراده بالعامي هنا الجاهل جهلًا مطلقًا.
وكل واحد من المسلمين يجب ألا ينزل عن هذا الحد، فقد الرجل يأتي النبي ﷺ فيعرض عليه الإسلام في مجلس واحد، ثم يذهب إلى قومه، فتسلم القبيلة بأكملها، ولا يستدعي الأمر أن يجتاز "دورة مكثفة" في فنون الشريعة، حتى يكون مؤهلاً للدعوة إلى الله.
(قدم الطفيل بن عمرو الدوسي مكة، ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفًا، شاعرًا، لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل! إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد اعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر؛ يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك، وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنَّه، ولا تسمعنَّ منه شيئًا.
قال: فوالله، ما زالوا بي، حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنيَّ، حين غدوت الى المسجد، كرسفًا، فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت الى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ، قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: فسمعت كلامًا حسنًا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفي علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن اسمع من هذا الرجل ما