فنزل بعسكره ببطحاء مكة، وعزم على هدم البيت وقتل الرِّجال وسبيهم، فأخذه الصُّداع (١)، وتفجّر من عينيه (وأذنيه، وفمه)(٢) ماء نتن، فلم يصبر أحد عنده ساعة واحدة من (نتن الريح)(٣)، وقال لوزيره: اجمع العلماء والحكماء والأطباء، فلم يقدروا على الجلوس عنده، وعجزوا من مداواته، وقالوا: نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور (٤) الأرض، وهذه من السماء، فلا نستطيع له.
ثم اشتدّ أمره وتفرَّق النَّاس عنه، ولم يزل أمره في شدَّة، فلما أقبل الليل جاء أحد العلماء إليه وخلا (بمجلس الملك)(٥)، فقال له (٦): أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوءًا؟ قال: نعم، نويْتُ خرابه، وقتل رجاله، فقال له العالم: هذه النيَّة أحدثت لك هذا الدَّاء، وربُّ هذا البيت قادر يعلم الأسرار، فبادر وأخرج من قلبك ما نويْتَ، قال الملك: قد أخرجْتُ ذلك من قلبي ونويْتُ لهذا البيت ولأهله كلَّ خير، فلم يخرج العالم من عنده إلا وقد عافاه الله تعالى من علَّته، فآمن بالله من ساعته، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أوَّل من كسا البيت.
ثم خرج إلى يثرب، وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا (٧) معه، ومعهم رئيسهم عماريا