فالجَوابُ: أنَّ الشَّرعَ يَنْظُرُ في مِثلِ هذه المَسائِلِ إلى مَصلَحةِ النَّاسِ، والمَصلَحةُ تَقتَضي أنْ يُنظَرَ لِلجَماعةِ على الواحِدِ، لا لِلواحِدِ على الجَماعةِ؛ فلمَّا كانَ البادي إذا باعَ بنَفْسِه انتفعَ جَميعُ أهلِ السُّوقِ، واشتَرَوْا رَخيصًا، فانتفعَ به جَميعُ سُكَّانِ البَلَدِ، نَظَرَ الشَّرعُ لِأهلِ البَلَدِ على البادي.
ولمَّا كانَ في التَّلَقِّي إنَّما يَنتَفِعُ المُتلَقِّي خاصَّةً، وهو واحِدٌ في مُقابَلةِ واحِدٍ، لَم تَكُنْ إباحةُ التَّلَقِّي مَصلَحةً، لا سيَّما أنَّه يُضافُ إلى ذلك عِلَّةُ أُخرى، وهي لُحوقُ الضَّررِ بأهلِ السُّوقِ في انفِرادِ المُتلَقِّي عنهم بالرُّخصِ، وقَطعُ المَوادِّ عنهم وهُم أكثَرُ مِنْ المُتلَقِّي؛ فنَظَرَ الشَّرعُ لَهم عليه، فلا تَناقُضَ بينَ المَسألَتَيْنِ، بَلْ هما مُتَّفِقَتانِ في الحُكمِ والمَصلَحةِ (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٤٩). (٢) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٦٣)، و «طرح التثريب» (٦/ ٦٠، ٦١).