وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، والمراد به: أهل مكة كان صلح الحديبية لئلا يقتل بمكة من فيها من المؤمنين والرجال والنساء، وقد كان فيهم قوم مؤمنون لا يعرفون، وإذا كان المراد به: أهل مكة دل على أنهم لم يقاتلوه ولو قاتلوه لنصر عليهم ولولوا الأدبار (١).
والجواب: أن قوله ولو قاتلوكم، معناه: لو استداموا قتالكم لولوا الأدبار لكن طلبوا الصلح بعد دخول مكة وأمنهم النبي ﷺ وكف القتال عنهم بدليل: ما ذكرنا في حديث أبي هريرة وهو قوله: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن.
والذي يدل على صحة هذا: أن القوم قاتلوا وولوا الأدبار وفارق قادتهم الأوطان وأسلموا الأهل والأوطان والأموال ولم يجدوا من ينصرهم على رسول الله ﷺ حتى صفح عنهم ومن عليهم بعد القهر والذل.
وجواب آخر: وهو أن ابن السائب قال: هذا راجع إلى أسد وغطفان حلفاء أهل خيبر؛ لأن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا﴾ [الفتح: ١١] إنما أراد بهم أعراب المدينة؛ لأنهم تخلفوا عن النبي ﷺ في الحديبية ولم يقاتلوا مع أهل خيبر (٢) فرجع الكلام إليهم وإذا كان كذلك فلا حجة فيها (٣).
واحتج: بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، قال مجاهد: معناه: لا يزال أهل مكة تأتيهم السرايا للقتال حتى تحل قريبًا من دارهم (٤). يعني: بمر الظهران فينقطع القتال ومن يزعم أنها دخلها عنوة يقول: لم ينقطع القتال حتى نزل النبي ﷺ قريبًا من دارهم (٥).
(١) ينظر: مختصر المزني (٨/ ٣٨٠)، الحاوي الكبير (١٤/ ٧٠). (٢) لم أجد قول ابن السائب الكلبي هذا في شيء من كتب التفسير. (٣) ينظر: المغني (٤/ ١٩٧)، الإنصاف (٤/ ٢٨٨)، بدائع الصنائع (٢/ ٥٨) البيان والتحصيل (٣/ ٤٠٦). (٤) ينظر: تفسير سفيان الثوري (ص ١٥٤)، تفسير الطبري (١٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩). (٥) ينظر: مختصر المزني (٨/ ٣٨٠)، اللباب في فقه الشافعية (ص ٣٨٠)، الحاوي الكبير (١٤/ ٧٠).