فإن قيل: فلم جاءتا بلفظين مختلفين «١»؟ فقل في ذلك وجهان: أحدهما: أنّ الدنيا بنيت على فعلها. فلما جاوزت ثلاثة أحرف بنيت على الياء، وهو القياس. والقصوى اسم مختلف ليس بمبنيّ على فعله. والآخر: أن الاسم إذا ورد على وزن فعلى بفتح الفاء صحت فيه الواو كقولهم: «الفتوى» و «التّقوى» وإن كان صفة انقلبت واوه ياء نحو: «الصّديا» و «الحبلى»، فأمّا القصوى، فجاءت على الأصل.
قوله تعالى: وَيَحْيى مَنْ حَيَّ «٢». يقرأ بياءين: الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، وبياء واحدة شديدة مفتوحة. فالحجة لمن قرأه بياءين: أنه أتى به على الأصل، وما أوجبه بناء الفعل. والحجة لمن أدغم: أنه استثقل اجتماع ياءين متحركتين، فأسكن الأولى، وأدغمها في الثانية.
فالوجه في العربية إذا اجتمع في اسم كان وخبرها معرفة ونكرة: أن ترفع المعرفة، وتنصب النكرة، لأن المعرفة أولى بالاسم، والنكرة أولى بالفعل، «٤» والوجه الآخر: يجوز في العربية اتساعا على بعد أو لضرورة شاعر. قال حسان «٥»:-
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
«٦» قوله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ «٧». يقرأ بفتح الياء والتخفيف، وبضمّها والتشديد. والمعنى بين ذلك قريب. وقد ذكرت علة «٨» ذلك. ومعناه: التفرقة والتخليص.
(١) لأن الدنيا بالياء، والقصوى بالواو. (٢) الأنفال: ٤٢ (٣) الأنفال: ٣٥ (٤) لأن الفعل قد يقع خبرا، ويمتنع أن يكون مبتدأ. (٥) سبق التعريف به: ١٤٤. (٦) الدرر اللوامع ١: ٨٨، «وخزانة الأدب ٤: ٦٣»، و «رسالة الغفران: ١٢٨، ١٢٩»، واللسان: مادة: سبأ. (٧) الأنفال: ٣٧ (٨) انظر: ١١٨ عند قوله تعالى: «حَتَّى يَمِيزَ».