وأخرج مسلم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه، أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتَت، وعليها صومُ شهرٍ، أفَأقضِيه عنها؟ فقال:«لو كانَ على أَمِّك دَيْنٌ، أكُنتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال:«فدَيْنُ الله أحَقُّ أن يُقضَى»(١).
وبالرُّجوعِ إلى كلامِ مالكٍ نفسِه، نجده يذكر في هذا الباب بَلاغًا عن ابنِ عمر رضي الله عنه سُئِل فيه: هل يَصوم أحَدٌ عن أحَدٍ، أو يُصَلِّي أحَدٌ عن أحَدٍ؟ فقال:«لا يَصومُ أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يُصلِّي أحَدٌ عن أحدٍ»(٥)؛ فقال مَالك:«وَهذا أمرٌ مُجتَمع عليه عندنا»(٦).
فأين ذِكرُ حديثِ عائشة أو ابن عبَّاسٍ في كلامِ مالكٍ؟! غايةُ ما في النَّص
(١) رواه مسلم في (ك: الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم: ١١٤٨). (٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٥٨). (٣) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٨)، وزاد البنَّا أنَّ أحمد بن حنبل استنكره أيضًا، ونقل ذلك عن الذَّهبي في «أعلام النبلاء» (٦/ ١٠) قال: « .. وقد قال أحمد بن حنبل مرَّة -يعني في عبيد الله بن أبي جعفر راوي حديث عائشة هذا-: ليس بالقوي، واستنكر له حديثًا ثابتًا في (الصَّحيحين) في مَن مات وعليه صوم، صام عنه وليه» اهـ. قلت: عبيد الله بن أبي جعفر جمهور النُّقاد على توثيقه، وأحمد نفسُه ورد عنه توثيقه كما في «العلل ومعرفة الرجال» برواية المروذي (١/ ٦٤). أما عن نسبة استنكار الحديث إلى أحمد فهي غريبة! والمعروف عن أحمد تصحيحه إيَّاه كما في «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ١٤٦٣)، على أنه قد صرفه عن إطلاقه إلى صوم النذر كما نقله عنه أبو داود في «السنن» (٢/ ٣١٥) وغيره. (٤) «الموافقات» للشاطبي (٣/ ١٩٨). (٥) «الموطأ» برواية يحيى الليثي (ص/٣٠٣). (٦) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٧).