في هذه الآيات: حُكْمٌ من الله بتكفير الذين ادّعوا ألوهية المسيح ابن مريم من فِرق النصارى: من الملكِيَّةِ واليَعْقوبية والنَّسْطورية، وَتَبرِئَةٌ للمسيح ابن مريم من ذلك وأنه دعا إلى عبادة الله وحده وَحَذَّرَ من الشرك به، وبيّن أن مصير من أشرك بالله تعالى النار ثم لا سبيل ولا نصير.
ثم في الآيات حُكْمٌ بالكفر على من قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وتوعّدٌ لهم من الله بعذاب أليم إن لم يتوبوا ويرجعوا عن قولهم واعتقادهم. ثم بيانٌ من الله لحقيقة عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بأنه رسول كبقية الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأمه مؤمنة صادقة، يأكلان الطعام كسائر الناس، فأين يذهب هؤلاء بضلالهم!
وقال ابن جرير: (قوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}. وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية. كانوا فيما بلغنا يقولون، "الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعةً بينهما). فكذبهم الله بقوله سبحانه:{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ}.
دَعْوَةٌ لهم طيبة كريمة من الله ليستأنفوا التوحيد بعد الشرك والإيمان بعد الكفر، والله بمنّه وكرمه يتجاوز عن ذلك مما سلف منهم، كيف لا وهو سبحانه لم يزل يعافيهم ويرزقهم مع ما يسمعه من شركهم.