في هذه الآياتِ: حكم الله في الذين ادعوا الألوهية في عيسى عليه الصلاة والسلام، وإثبات عبودية المسيح وأمه لله الملك سبحانه، وتكذيب الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه من أهل الكتابين، وإثبات العذاب على المكذبين بالله ورسله وتوحيده يوم القيامة.
قال القرطبي:(وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم على جهة الدينونة به؛ لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا).
وقوله:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}. أي: أخبر الله المسيح عليه الصلاة والسلام أن لو كان إلهًا لقدر على دفع الضرّ عنه مما أصابه، فقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع ذلك عنها، وكذلك لو أراد سبحانه إهلاكه وإهلاك جميع أهل الأرض.
أي: كل المخلوقات والموجودات في هذا الكون الفسيح تحت تصرفه سبحانه وفي ملكه ينفذ فيها أمره، فلو كان المسيح وأمه إلهين فأين سيكونان؟ إن المسيح وأمه {بَيْنَهُمَا} أي مخلوقان محصوران بين السماوات والأرض، وما أحاط به الحدّ والنهاية لا يصلح للإلهية، والله وحده على كل شيء قدير.
فرأوا لأنفسهم فضلًا وشرفًا. قال ابن عباس:(خوّف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومًا من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف فإنا أبناء الله وأحِبّاؤه، فنزلت الآية).