الكلامِ بمعنى الاحتسابِ، إِلَّا أن يكونَ أرادَ مُفسِّرُه كذلك: أنَّ أنفُسَ المنْفِقينَ كانَت مُحتَسِبَةً في تثبيتِها أصحابَها. فإنْ كانَ ذلك = كانَ عِندَهُ: معنى الكلامِ؛ فليس الاحتسابُ بمعنىً حينئذٍ للتَّثبيتِ فيُتَرْجَمَ عنه به» (١).
وقد كانَ التَّفريقُ بين البيانِ الإفراديِّ والتَّركيبيِّ لألفاظِ القرآنِ واضحاً عند ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠)؛ حيثُ قالَ عن بعضِ تفاسيرِ السَّلفِ:«فَحَملَ تأويلَ الكلامِ على معناه، دون البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينِها، فإنَّ أهلَ التَّأويلِ رُبَّما فعلوا ذلك لعِلَلٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه»(٢)، ومثلُه قولُه:«قالَ ابنُ زيدٍ في قولِه ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥]: قالَ: اجعَلني أشكُرُ نعمَتَك. وهذا الذي قالَه ابنُ زيدٍ في قولِه ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [الأحقاف: ١٥] وإن كانَ يئولُ إليه معنى الكلِمةِ، فليس بمعنى الإيزاعِ على الصِّحَّةِ»(٣)، أي ليس معناه الإفراديُّ المُطابقُ.
وقد جرَت عادةُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) في تفسيرِه على الجَمعِ بين المعنى التَّركيبيِّ والإفراديِّ، مع العنايةِ الفائقةِ بدِقَّةِ العبارةِ ووضوحِها، وحُسنِ البيان وبلاغتِه. وذلك أكملُ مناهجِ التَّفسيرِ وأوفاها؛ وهو الجمعُ بين نوعَيْ البيانِ: الإفراديَّ ثُمَّ التَّركيبيَّ؛ ليُعرَفَ أصلُ اللفظَةِ في كلامِ العربِ، وما طرأَ عليها مِنْ تغييرٍ في التَّركيبِ القرآنيِّ، ولتُتَبَيَّن علاقةُ
(١) المرجع السابق. وينظر في أمثاله: ٢/ ٢٧٢، ٩/ ٤٢٢، ١٠/ ٥٥، ٣٣٢، ٤٨٨، ١٣/ ٥٤٩، ١٤/ ٥٢٤. (٢) جامع البيان ١/ ٤٤٢، وقد مَيَّزَ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) بين تفسير السَّلف على اللفظِ وعلى المعنى في عِدَّةِ مواضع؛ منها: ٧/ ١٠٩، ١٢/ ٢٤١، ١٣/ ١٢٥. (٣) جامع البيان ٢١/ ١٤١.