ظَنَّوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ شُفَعَاءُ يُقرِّبُونَهُم إِلَيهِ إِذَا تَعَلَّقُوا بِهِم، فَأَحَبُّوهُم (١)، وَنَذَرُوا لَهُم، وَدَعَوهُم، وَذَبَحُوا لَهُم، وَطَافُوا بِقُبُورِهِم، وَعَكَفُوا عِنْدَهَا، فَقَطَعَ اللهُ تَعَالَى حِبَالَهُم وَأَبْطَلَ أَمَانِيَّهُم، حَيثُ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَهَا شُرُوطٌ؛ وَأَنَّ المُشْرِكِينَ مَحْرُومُونَ مِنْهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المُدَّثِّر: ٤٨]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غَافِر: ١٨].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]: "وَالحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَام مُنَاظِرًا لِقَومِهِ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَة الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ، فَبَيَّنَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ المَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ -الَّذِينَ هُمْ عِنْد أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ-! وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَه فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ" (٢).
- أَنْوَاعُ الشَّفَاعَةِ (مِنْ حَيثُ الإِثْبَاتِ وَالنَّفِي):
١ - شَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ: وَهِيَ عَينُ مَا ظَنَّهُ المُشْرِكُونَ، وَهِيَ شَفَاعَةُ آلِهَتِهِم عِنْدَ اللهِ ابْتِدَاءً، وَشَفَاعَتُهَا فِي مَنْ شَاءَتْ.
٢ - شَفَاعَةٌ مُثْبَتَةٌ: وَهِيَ مَا قَيَّدَهَا اللهُ تَعَالَى بِشَرْطَينِ، وَهُمَا: الإِذْنُ لِلشَّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ، وَالرِّضَى عَنِ المَشْفُوعِ.
(١) مَحَبَّةَ العُبُودِيَّةِ.(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٣/ ٢٩٢).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute