وَمِنْ نَفْسِ البَابِ؛ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى شَبَّهَ الكُفَّارَ بِالصُمِّ فِي عَدَمِ السَّمَاعِ فِي نَفْسِ الآيَاتِ السَّابِقَةِ؛ فَهَلْ يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِأَنَّ الآيَةَ قَصَدَتِ الكُفَّارَ وَلَيسَ فِيهَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصُمَّ لَا يَسْمَعُونَ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
- فَائِدَةٌ: إِذَا تَأَمَّلْتَ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فَاطِر: ٢٢] وَهُوَ سياقُ الآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ؛ فَإِنَّكَ سَتَجِدُ أَدِلَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ، مِنْهَا:
أ- أَنَّ الحَيَّ وَالمَيِّتَ لَا يَسْتَوِيَانِ، وَهُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلكَافِرِ وَالمُؤْمِنِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ السَّمَاعِ؛ حَيثُ جُعِل مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ كَمَنْ لَا سَمْعَ لَهُ؛ لِعَدَمِ حُصُولِ الغَايَةِ مِنْهُ.
ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَلَبَ المَيِّتَ سَمْعَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَونِهِ مِثَالًا لِمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالسَّمَاعِ، حَيثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ خِلَافُ الأَصْلِ.
ج- أَخِيرًا -وَهِيَ قَاصِمَةُ ظُهُورِ القُبُورِيينَ-؛ نَقُولُ: هَبْ أَنَّ المَيِّتَ هُوَ كَالكَافِرِ فِي كَونِهِ -فَقَط- لَا يَسْمَعُ سَمَاعَ انْتِفَاعٍ وَاسْتِجَابَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ سَمَاعَ
=اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بِقُدْرَتِهِ يُسْمِعُ الأَمْوَاتَ أَصْوَاتَ الأَحْيَاءِ إِذَا شَاءَ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَلَيسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ سِوَاهُ".وَعِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِآيَةِ سُورَةِ فَاطِرٍ قَالَ ﵀: " ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ أَي: كَمَا لَا يَسْمَعُ وَيَنْتَفِعُ الأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوتِهِم وَصَيرُورَتِهِم إِلَى قُبُورِهِم -وَهُمْ كُفَّارٌ- بِالهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِبَتْ عَلَيهِم الشَّقَاوةُ لَا حِيلَةَ لَكَ فِيهِم، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُم".قُلْتُ: وَالمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى طَمَسَ عَلَى قُلُوبِهِم، فَهُمْ يَسْمَعُونَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا سَمِعُوا، فَصَارُوا كَأَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ؛ لِعَدَمِ انْتِفَاعِهِم بِسَمْعِهِم.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute