وقد قال تعالى عن مريم: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)} [مريم: ١٧، ١٨].
وفي السنة ما يدل على هذا أيضًا، كما في حديث جبريل المشهور حين أتى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة رجل، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان (١)، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعرفه في أول الأمر.
٣ - أنه قد جاء في شريعتنا جواز فقء عين الناظر دارًا بغير إذن صاحبها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه)(٢)، فما المانع أن يكون ذلك كذلك في شريعة موسى عليه السلام - فمن المعلوم أن الشرائع تتفق في بعض الأحكام (٣) - لا سيما وأن موسى عليه السلام لم يُلَم على هذا الفعل، مع أن الأنبياء لا يُقَرُّون على خطأ (٤)، وقد ردَّ الله تعالى لملك الموت عينه؟ .
قال ابن حجر:"وقيل: على ظاهره، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية، ليرجع إلى موسى على كمال الصورة فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو المعتمد"(٥).
وقال الخطابي -مقررًا هذا القول-: "لما دنا حينُ وفاته -وهو بشر يكره الموت طبعًا ويجد ألمه حسًا- لطُفَ له -أي الله- بأن لم يفاجئه
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخاري (١/ ٢٧) ح (٥٠)، ومسلم (١/ ٢٧٥) ح (٩)، وأخرجه مسلم أيضا من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (١/ ٢٦٨) ح (٨). (٢) صحيح مسلم (١٤/ ٣٨٦) ح (٢١٥٨)، وانظر: صحيح البخاري (٦/ ٢٥٣٠ - ٢٥٣١). (٣) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٥)، وأعلام الحديث (١/ ٦٩٩)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٢٣)، وشرح السنة (٥/ ٢٦٧). (٤) انظر: ص (٤٢١) من هذا البحث. (٥) الفتح (٦/ ٤٤٣).