قال أبو معشر (١): "هو أول من تكلم في الأشياء العلوية من الحركات النجومية، وأن جده كيومرث - وهو آدم - علّمه ساعات الليل والنهار. وهو أول من بنى الهياكل ومجّد الله فيها، وأول من نظر في الطب، وتكلّم فيه. وأنه ألف لأهل زمانه كتبا كثيرة بأشعار موزونة، وقواف معلومة، [بلغة أهل زمانه في معرفة] الأشياء الأرضية والعلوية. وهو أول من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفة سماوية تلحق الأرض من الماء والنار.
وكان مسكنه صعيد مصر، [تخير ذلك]؛ فبنى هنالك الأهرام، ومدائن التراب، وخاف ذهاب العلم بالطوفان، فبنى البرابي (٢)، وهو الجبل المعروف
(١): أبو معشر الفلكي، جعفر بن محمد بن عمر البلخي، عالم فلكي مشهور، كان أولا من أصحاب الحديث، وتعلم النجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره، وضربه المستعين العباسي أسواطا لأنه أخير بشئ قبل حدوثه فحدث، فكان يقول: أصبت فعوقبت!، قال القفطي في وصفه: " عالم أهل الإسلام بأحكام النجوم، وكان أعلم الناس بتاريخ الفرس، وأخبار سائر الأمم، وعمّر طويلا، جاوز المائة. أصله من بلخ من خراسان، أقام زمنا في بغداد، ومات بواسط سنة ٢٧٢ هجرية/ ٨٨٦ م. انظر ترجمته في: الفهرست لابن النديم ١/ ٢٧٧، وشذرات الذهب لابن العماد ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣، وتاريخ الحكماء للقفطي ١٠٦، والأعلام للزركلي ٢/ ١٢٧. (٢): قال المحبي في قصد السبيل: "البرابي: كلمة نبطية، معناها: بناء السحر المحكم. وقال الشهاب: هي أهرام صغار بنواحي الصعيد". وقال ياقوت: "البرابي جمع برباة، وهي كلمة نبطية"، بينما نجد أن ياقوت يذكر أنها جمع بربا، وأنها كلمة قبطية، قال: وأظنه اسما لموضع العبادة، أو البناء المحكم، أو موضع السحر ". وذكر ياقوت: أنها في عدة مواضع من صعيد مصر، في إخميم، وأنصنا، وغيرهما". انظر: قصد السبيل للمحبي ١/ ٢٦٠، ومعجم البلدان لياقوت ١/ ٣٦٢، وشفاء الغليل ٧٥ ".