هذه الرقعة قلت: لا، قال: اقرأها، فقرأتها، فإذا فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملّكوا غيره؟ فقلت: والله لو علمت ما فيها ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك. قال: أفتدري لم كتبها، قلت: لا، قال: حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك. قال: فتأدّى ذلك إلى ملك الروم، فقال: ما أردت إلا ما قال.
وروي أن الشعبي كلّم [عمرو] بن هبيرة (١) أمير العراقين في قوم حبسهم ليطلقهم فأبى، فقال له: أيها الأمير: إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم، فأطلقهم. وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن، وأقام في البطن سنتين، ويقال: إن الحجاج قال له يوما: كم عطاءك في السنة؟ فقال: ألفين. فقال: ويحك كم عطاؤك؟ فقال: ألفان، فقال: كيف لحنت أولا؟ قال: لحن الأمير فلحنت، فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير فأعرب أنا، فاستحسن ذلك منه وأجازه.
وكان مزّاحا، يروى أن رجلا دخل عليه يوما ومعه امرأة في البيت، فقال:
أيكم الشعبي؟ فقال: هذه. وكان نحيفا ضئيلا، فقيل له يوما: ما لنا نراك ضئيلا، فقال: زوحمت في الرحم، أشار إلى توءمه المذكور.
وكان إماما حافظا ذا فنون، قال أحمد العجلي (٢): مرسل الشعبي صحيح،
(١) عمر بن هبيرة: ورد في المخطوطة (عمرو) والصواب عمر بن هبيرة بن سعد بن عديّ الفزاري، أبو المثنى: أمير من الدهاة الشجعان، كان رجل أهل الشام، وهو بدوي أمي، شارك في مقتل مطرف ابن المغيرة، المناوئ للحجاج ولما صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ولاه الجزيرة وغزا الروم من ناحية أرمينية فهزمهم وأسر منهم خلقا كثيرا، وفي خلافة يزيد بن عبد الملك ولاه إمارة العراق وخراسان، ثم عزله هشام بن عبد الملك سنة ١٠٥ وولى خالد بن عبد الله القسري. فسجنه، ثم هرب من سجنه إلى مسلمة بن عبد الملك فتوسط لدى هشام فرضي عنه وأمّنه. توفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في الكامل لابن الأثير ٥/ ٩٧، والأعلام ٥/ ٢٣٠. (٢) أحمد العجلي: هو أحمد بن المقدام بن سليمان بن الأشعث بن أسلم العجلي أبو الأشعث البصري، وثقه ابن حبان، توفي سنة ٢٥٣ هـ. انظر ترجمته في التهذيب التهذيب ١/ ٨١.