وقوله:(على شرط المواضعة) هذه الجملة فيها غموض، ما المراد بالمواضعة؟ (١).
إنَّ أيَّ إنسانٍ على معرفة بالفقه عندما يسمع كلمة المواضعة يَنصرف ذهنه إلى أقرب شيء، والمواضعة تحتمل عدة معانٍ؛ يقال: وضع فلان الدَّين عن فلان، بمعنى أسقطه عنه، وتقول: وضعت الأمانة عند فلان، أي: تركتها عنده، أمَّا المواضعة المشهورة في علم الفقه: هو أن يخبر البائعُ المشتري برأس مال هذه السلعة - أي: بقيمتها الأصلية بدون زيادة، أو نقصان - ثم يقول له: أبيعك هذه السلعة؛ نفترض سيارة اشتراها بألف، فنقول قيمة هذه السيارة ألف ريال، وأبيعك إيَّاها مواضعة؛ أي: يُنزل له شيئًا، يعني من قيمتها، كنسبة عشرة بالمائة، فإذا أسقط عنه عشرة بالمائة فيبيعها إيَّاه بتسعمائة ريال.
وليست هذه هي المواضعة التي يعنيها المؤلف؛ لأنَّها لا تَنطبق مع سياقِ الكلام، فقد ربط ذلك فيما يتعلق بالتسليم، وعليه فالمواضعة هنا: هي وضع السلعة عند عدل، يعني هذه الجارية رفيعة القدر، يضعها عند إنسان عدل مأمون، يُؤمن عليها منه.
ووضعها عند عدل؛ أي: أنَّه لم يُسلمها لمن اشتراها، ولم يستلم البائع الثمن، فترد هنا شبهة بيع الدَّين بالدَّين، وهي من المسائل الدقيقة، كما ذكرنا من قبل.
لكن جمهور العلماء يخالفون الإمام مالك في ذلك: فهم يرون أنَّها تسلم لصاحبها شريطة ألَّا يَطأها (٢)، مع العلم بأنَّ الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أن
(١) المواضعة عند المالكية هي: نوع من الاستبراء، إلَّا أنَّها تَختص بمزيد أحكام … ، وحقيقة المواضعة: جَعلُ الأمة المُشتراة زمن استبرائها عند أمينٍ مقبولٍ. "الشرح الكبير" (٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧). وهو واجب عند مالكٍ فقط، كما قال ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" (٥/ ٣٩٥): وفيه قولٍ ثانٍ: وهو أنَّ ذلك غير واجب، وهو قول أكثر أهل العلم، غير مالك. (٢) يُنظر: "رد المحتار على الدر المختار" (٦/ ٣٤٦)، و"تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (٨/ ٢٧٢)، و"الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" (١٢/ ١٢٠).