المؤلف - رحمه الله - يريد أن يجعل المسألة إلزاميَّةً - كما هو معلومٌ - على ما قرره الإمام الشافعي، وأنه لا أخذ بقياس مع وجود نصٍّ صحيحٍ صريحٍ، والحديثُ صحيح في بابه، فينبغي أن يأخذ به الشافعية.
وقَدْ ذَكر المُحقِّقون من العلماء (١) أنه لا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا صريحًا، لأن القياس الصحيح يُبْنَى على فقهٍ صحيحٍ، وعلى فطرةٍ صحيحةٍ، والفطرة الصحيحة لا تتعارض مع نصوص هذه الشريعة، لأن الشريعة الإسلامية جاءت موافقةً للفطرة {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}[الروم: ٣٠].
ولذلك، لمَّا جاء عُمَرُ بْنِ الحَكَمِ (٢) إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كي يعتق جاريته، قال:" … قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا"، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ اللهُ؟ "، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: "مَنْ أَنَا؟ ". قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: "أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" (٣) "؛ لأن هذا يدل على الفطرة.
ولهذا، جاء في الحديث:"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ"(٤)، ولم يقل: يسلمانه؛ لأن الأصلَ فيه الإسلام.
(١) قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٨٨): "ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص، فهو قياس فاسد، ولا يوجد نص يخالف قياسًا صحيحًا، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح". (٢) قال أبو نعيمٍ في "معرفة الصحابة" (٤/ ١٩٤٣): "عمر بن الحكم السلمي أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم فيه مالك بن أنس، وصوابه: معاوية بن الحكم". انظر: "معجم الصحابة" لابن قانع (٢/ ٢٢٦)، و"الإصابة" لابن حجر (٤/ ٤٨٣). (٣) أخرجه مسلم (٥٣٧/ ٣٣) عن معاوية بن الحكم السلمي. (٤) أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨/ ٢٢) عن أبي هريرة.