وفي حديثٍ آخر: وفي بُضْع أحَدنا صدقة؟ فبَيَّنَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم -، وقال:"أرأيتَ لو وَضَعها في الحَرَام، أليسَ عليه وزرٌ". قال: بلى. قال:"فَكَذلكَ إذا وَضَعها في الحلال، فلَه أجرٌ"(٢).
ومن هنا تَخْتلفُ النيَّةُ عن غيرها، بَلْ وتَخْتلف الآثار المترتبة عليها من حيث إخلاصها لوَجْه الله، أو ابتغاء مَرْضاة الناس والرياء والسُّمعة، ففي الحديث:"وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ"(٣)، فمَنْ يقاتل لإعلاء كلمة الله -سبحانه وتعالى-، يَدْخل ضمن قول الله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ}[التوبة: ١١١]، ومَنْ يقاتل ليقال: إنه شجاعٌ، يُلقى في سواء الجحيم كما ورد في الثلاثة الذين وَرَد ذكرهم في الحديث (٤).
وقصَّة الرجل الذي كان في وقعة بدرٍ وقد رآه الصحابة يقتحم صفوف المشركين، ويقاتل قتالًا شديدًا، ويوقعهم قتلى وجرحى، ثم بعد ذلك رُئِيَ وهو في آخر رمقٍ من حياته، فذهبوا يُخْبرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال
(١) أخرجه البخاري (١٢٩٥، ٤٤٠٩)، ومسلم (١٦٢٨)، واللفظ له. (٢) أخرجه مسلم (١٠٠٦)، ولفظه: "وَفي بُضْع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ولكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لَوْ وضعها في حرامٍ، اكَان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". واللفظ الذي ذكره الشارح أخرجه أحمد في "مسنده" (٢١٤٧٣)، وصححه الأرناؤوط. (٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (٣٧٧٢)، وضعف إسناده الأرناؤوط. (٤) أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤)، عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمَنْ في سبيل الله؟ قال: "مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".