ثانيًا: استدلوا بمداومة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على صلاة العيدين، قالوا: لم ينقل تركها عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا مَرَّة واحدة، ولم يتركها المسلمون، بل كانوا يُسارعون إلى أدائها، إذًا هذا دليل آخر.
ثالثًا: قالوا: صلاة فيها ركوع وسجود، فتجب وجوب كفاية؛ قياسًا على صلاة الجنازة، وهذا هو الذي قال به الحنابلة؛ لأن صلاة الجنازة عندهم واجبة، وهذا لا يكون ملزمًا لغيرهم؛ لأن مِن العلماء مَن يرى أن صلاة الجنازة ليست بواجبة، يعني: ليست فرض كفاية، وإنما هي سنة.
فهؤلاء العلماء استدلوا بالآية، وكذلك استدلوا بمداومة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبأنها صلاة تؤدى بركوع وسجود وفيها تكبير، أشبهت صلاة الجنازة، فكانت واجبة وجوب كفاية.
وأما الحنفية الذين قالوا بأنها تَجب وجوبًا عينيًّا، فاستدلوا على ذلك بدليلين (١):
الدليل الثاني: هو دليل عقلي أو قياسي، وهو الذي يعرف بالمعقول، قالوا: صلاة تُشرع فيها الخطبة، فهي واجبة قياسًا على صلاة الجمعة.
هذه هي أقوال العلماء، وقد أجاب كل فريق عما استدل به الفريق الآخر، ولا نريد أن ندخل في طول المناقشات، لكن الذين قالوا بأنها سنة أجابوا عن أدلة هؤلاء بأن هذه ليس فيها دلالات صريحة؛ لأن
(١) يُنظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (١/ ٢٧٥) حيث قال: "ولنا قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)} [الكوثر: ٢] قيل في التفسير: صَلِّ صلاة العيد وانحر الجَزور، ومطلق الأمر للوجوب، وقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: ١٨٥]، قيل: المراد منه صلاة العيد، ولأنها من شعائر الإسلام، فلو كانت سُنَّة فربما اجتمع الناس على تركها فيفوت ما هو من شعائر الإسلام، فكانت واجبة صيانة لما هو من شعائر الإسلام عن الفوت".