الجواب الأول: قالوا: نحن نُقر بصحة هذه الأحاديث، ونُسَلِّم بها، لكننا نقول: إنَّها محمولة على الاستحباب.
وما توجيه ذلك؟
قالوا: إنَّ النَّفي في "استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف" متوجه إلى الكمال، لا إلى إلزام الصحة، أي: أنَّ الرَّسُول -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:"لا صلاة لفرد خلف الصف"، أي: لا صلاة كاملة (١).
وهذا التعليل يظهر عندما نتكلم عن وجوب القراءة في الصلاة عند الكلام على حديث عبادة:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"(٢)، فقد وجدنا أنَّ الحنفية علَّلوا بهذا التعليل (٣)، وعرفنا الرد عليهم؛ ووجود بعض الأدلة التي تنفي ذلك.
إذًا قالوا: النفي هنا إنَّما هو لنفي الكمال، وقالوا: ومما يدل على ذلك أنَّ الرَّسُول عليه الصلاة والسلام قال: "لا صلاة بحضرة الطعام"(٤).
والعلماء متفقون على أنَّ الإنسان لو كانت نفسه تتوق إلى الطعام
(١) قال النووي: "واحتج أصحابنا بحديث أبي بكرة وبحديث ابن عباس، وحملوا الحديثين الواردين بالإعادة على الاستحباب جمعًا بين الأدلة، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صلاة للذي خلف الصف"، أي: لا صلاة كاملة؛ كقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صلاة بحضرة الطعام"، ويدل على صحة التأويل أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- انتظره حتى فرغ، ولو كانت باطلة لما أقره على الاستمرار فيها". انظر: "المجموع شرح المهذب" (٤/ ٢٩٨). (٢) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤/ ٣٤)، عن عبادة بن الصامت -رضي اللَّه عنه-. (٣) انظر: "التجريد"، للقدوري (١/ ٤٨٨، ٤٨٩)، وفيه قال: "احتجوا: بما رواه سفيان بن عيينة عن الزُّهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". والجواب: أن لفظة (لا) مشتركة: يحتمل نفي الجواز، ونفي الكمال؛ كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إِلَّا في المسجد". وإذا احتملت الأمرين حُملت على نفي الكمال؛ لأنه متيقن". (٤) أخرجه مسلم (٥٦٠/ ٦٧) عن عائشة -رضي اللَّه عنها-، وفيه قالت: إني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا صلاةَ بحضرة الطعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان".