أعني زيادةَ "ما" وتخفيفَ "إنَّ" أمَّا وَجهُ عَدَمِ الواوِ فلأنَّ المُضارعِ وإن كانَ فيه زيادةٌ وهي النَّفيُ، إلَّا أنَّها زِيادةٌ مَمزُوجَةٌ بالمُضارِعِ فتصيرُ كَلا زيادةَ، ولذلك قالُوا: لا يجوزُ دخولُ الفاءِ (١) على المضارِعِ المصدَّرِ بلا إذا وَقَعَ موقِعَ الجَزَاءِ، وذلك قولك: إن تَضْرِبني لا أَضربك بخلافِ "ما" فإنَّه يدخلُ فيه الفاءُ لا مَحَالَةَ، ولا يَنْجَزِمُ معه المُضارِعُ.
قالَ جارُ الله:"فصلٌ، ويجوزُ إخلاءُ هذه الجُملة عن الرَّاجعِ إلى ذِي الحالِ، إجراءً لها مُجرى الظَّرفِ وهو قولُك: زيدٌ في الدّارِ، لانعقادِ الشَّبَهِ (٢) بين الحالِ وبَينَه، تَقُولُ: أتيتُكَ وزَيدٌ قائمٌ، ولَقِيتُكَ والجيشُ قادِمٌ، وقالَ (٣):
* وَقَد أغتَدِي والطَّيرُ في وُكُنَاتِها" *
قال المُشرّحُ: الأصلُ أن يُعلمَ أن من حُكمِ الجُملةِ إذا عَرِيَت عن ذكرٍ يَرجعُ منها إلى ذي الحالِ، أنّها لا تَصلحُ حالًا إلَّا بالواو، فلو قُلتَ: رأيتُ الأميرَ وقد اصطَفَّ الجيشُ، لم يَجُز حَذفُ الواوِ منه البَتَّةَ لأنَّه لَيس في هذه الجُملة ذكرٌ يَعودُ إلى ذِي الحَالِ، كما في قولك: خَرَجَ يَعْدُو به فَرَسُهُ، ولو قُلتَ: يعدُو الفَرسُ كان مُحالًا. هذه ألفاظُ الإِمامِ عبدِ القاهرِ الجُرجَانِي. وعندِي أنَّه يجوزُ أن تكون هذه الواو واو الظَّرفِ، ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: جئتُ والشمسُ طالعةٌ فمعناه: جِئْتُ وقت طلوع الشَّمسِ. وأنا في هذه المسألةِ غيرُ ثابتِ القَدَم، أقدّمُ رجلًا وأُؤخّرُ أُخْرَى، ويشهدُ لكونِهِ ظَرفًا وجوه: الوجهُ الأولُ: أنَّ كلَّ حالٍ لا بدَّ لها من ذي حالٍ، وهذه المصدَّرةُ بالواوِ لها منه بُدٌّ فلا تكونُ حالًا، وذلك مثل قولك: لا صلاةَ والشمسُ
(١) في (أ) والفاعل. (٢) في (أ) المشبّه. (٣) البيت لامرئ القيس في معلقته المشهورة انظر ديوانه: ١٩، وشرح المعلقات لابن النحاس: ١/ ١٦٣.