منها: أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة به١، وذلك٢ من آكد٣ وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من [أنواع] ٤ البديع يسمى: تشابه الأطراف.
ومنها: أن سورة آل عمران ذكر فيها قصة أحد مستوفاة، وذكر في هذه السورة ذيلها، وهو قوله:{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}"٨٨"؛ فإنها نزلت لما اختلف الصحابة فيمن رجع من المنافقين من غزوة أُحُد، كما في الحديث٥.
ومنها: أن في آل عمران ذكرت الغزوة التى بعد أُحُد بقوله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ}"آل عمران: ١٧٢"٦، وأشير إليها هنا بقوله:{وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ}"١٠٤" الآية٧.
وبهذين الوجهين٨ عرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من
١ ختتمت آل عمران بقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} "آل عمران: ٢٠٠" وافتتحت بقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} "النساء: ١". ٢ في المطبوعة: "وهذا"، والمثبت من "ظ". ٣ في المطبوعة: "أكبر"، والمثبت من "ظ". ٤ ما بين المعقوفين إضافة من "ظ". ٥ أخرجه البخاري في التفسير "٦/ ٥٩" عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- ومسلم في المنافقين "٨/ ١٢٨"، وأحمد في المسند "٥/ ١٨٤"، وفيه: أن الصحابة اختلفوا فيمن رجع عن غزوة أحد، فقال فريق بقتلهم، وقال فريق: لا، فنزلت. ٦ هو يوم حمراء الأسد، وكان عقب أحد، وكان الكفار قد ندموا أن لم يدخلوا المدينة، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فندب المسلمين للخروج على ما بهم من جراح؛ ليريهم أن بهم قوة وجلدًا. انظر: البخاري "٥/ ١٣٠"، والمستدرك "٢/ ٢٩٨"، وسيرة ابن هشام "٢/ ١٠١". ٧ ومن أسرار الترتيب أنه تعالى زاد في سورة محمد تفصيل سبب النهي عن الوهن في قوله: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} "محمد: ٣٥"، فهناك واقعة خاصة، وهذا عام في قانون الحرب. ٨ في المطبوعة: "الوجين" تحريف.