﴿مِنْهُمْ﴾ الظاهرُ رجوع الضمير إلى ما يرجع الضمير في ﴿يُؤْمِنُوا﴾، وعناد (١) البعض إنما كان منافيًا لإقرار الباقين لأنهم كانوا مقلِّدين لهم.
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ما يتلونه من التوراة.
السماع كنايةٌ عن القبول، ففي ذكره زيادةُ تقبيحٍ لحالهم؛ لأنَّ التحريف بعد القبول أشدُّ قباحةً، ولو كان على حقيقته لَمَا احتيج إلى ذكره؛ لأن التحريف لا يكون إلا بعد السماع.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ تحريف الشيء: إمالتُه عن حالٍ إلى حالٍ، ومنه: قلم محرَّف؛ أي: أحد شقَّيه مائلٌ، فينتظِم التغييرَ والتبديلَ والتأويلَ، وما حرَّفوه نعتُ رسول الله (٢)ﷺ، وشريعتُهم كآية الرجم.
ويجوز أن يكون المراد من الفريق مَن كان في زمن موسى ﵇ وهم أهل الميقات، والكلامُ المسموع كلامَه تعالى بالطور، وقد نُقل تحريفُهم ما سمعوه، وعلى هذا أيضًا الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ على ظاهره ولا حاجة إلى أن يكون المعنى من أسلافهم فإن أسلاف طائفة يعدون منهم (٣)، وعلى هذا يكون المعنى: الإصرارُ على البطلان موروثٌ لهم شِنْشِنةً أعرفُها مِن أَخْزمِ (٤).
(١) في "ح": (إذ عناد)، وفي "ف": (أو عناد). (٢) في "م": (نعت الرسول)، وفي (ك): (من نعت الرسول). (٣) في هامش "د" و"م": (يعني أن الحاجة إلى الصرف عن الظاهر إنما يتوهم على هذا التقدير دون الأول ففيه ردٌّ للقاضي. منه). (٤) الشنشنة: السجية والطبيعة، وهذا مثل أصله: أنَّ ابنَ أَخْزَمَ الطائيَّ كان عاقًّا أباهُ، ثمَّ جاءَهُ بَنُونَ فعَقُّوه، واجْتَمَعوا عليه فضَرَبُوه وأَدْمَوْه، فقال: إنَّ بَنيَّ زمَّلُوني بالدَّمِ … شِنْشِنةٌ أَعْرِفُها مِن أَخْزَمِ